ومثال التناسب بين الآيات المتقاربات قوله تعالى {: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَت وَالأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَحِ وَالسَّحَبِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ لأَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] ، ثم قوله {وَمِنَ النَّاسِ مِن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أندَادًَا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أشَدُّ حُبًَّا للهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أنَّ الْقُوَّةَ للهِ جَمِيعًَا وَأنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} [البقرة: 165] ، فقد أشار الطوسي إلى أنّ بين الآيتين اتّصالًا معنويًا وهو (( اتّصال إنكار، كأنّه قال: أبَعدَ هذا البيان والأدلّة القاهرة على وحدانيته يتّخذون الأنداد من دون الله؟ ) ) [1] ، فقد ذكر في الآية الأولى الدلائل الكثيرة على وجوده تعالى، وجعل تلك الدلائل مختلفة؛ لأنّ عقول الناس متقاربة، فقسم يُدرَك بالحواسّ الظاهرة، يُدرِكه عامّة الناس
وقسم لا يُدرَك بالحواسّ الظاهرة، خاصّ بالغيب والملكوت، بل يُدرِكه أولي الألباب الذين خلُصَت عقولهم عن الوساوس والأوهام، فأثبت أنّه الواحد الذي لا شريك له ولا شبيه، وأنّه المُبدِع المُخترِع لما سواه، والمُصرّف لكلّ شيء على ما يشاء، وبعد أن ذكر تلك الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة عاب من عبَدَ سِواه وفزَع إلى غيره [2] وقبّح ما يُضادّ التوحيد، إذ إنّ تقبيح ضدّ الشيء يؤكّد حُسن ذلك الشيء [3] .
ومنه أيضًا قوله تعالى: {أمْ حَسِبْتُمْ أن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلَواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] ، ثم قوله: {يَسئَلُونَكَ مَا ذَايُنفِقُونَ قُل مَآأنفَقتُم مِن خَيرٍ فَللولِدَينِ وَالأَقرَبِينَ وَاليَتَمَى وَالمَسَكِينِ وابن ِالسَبِيلِ وَمَا تَفعَلوا مِن خَيرٍ فَإنَ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215] ، فقد بيّن الطوسي أنّ (( وجه اتّصال هذه الآية
(1) التبيان 2/ 64.
(2) نظم الدرر 2/ 300 ـ 301.
(3) ينظر: التفسير الكبير 2/ 4 / 174، وإرشاد العقل السليم1/ 185.