واحدٍ من هذه المعاني فإنّه يعرف أين يجده، فالمعنى اللغوي أوّلًا ثم المعنى المجازي، ثم المعنى الفقهي أو العقيدي، ولتوضيح ذلك نستشهد بالمثال الآتي:
فسّر الطوسي قوله تعالى {يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَلًا طَيِّبًَا وَلاَتَتَّبِعُواْ خَطَوَتِ الشَّيَطِنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة:168] ،إذ شرح ألفاظها لغويًا فقال: (( والأكل: هو البَلْع عن مَضْغٍ، وبَلْعُ الحَصى ليس بأكلٍ في الحقيقة ... والحلال: هو الجائز من أفعال العباد ... والطيّب هو الخالص من شائب ينغّصه ... والخطوة: بُعد ما بين قدمي الماشي ) )، ثمّ انتقل لبيان المعنى في ضوء التراكيب فقال: (( وإنّما قالَ(حلالًا طيبًا) فجمع بين الوصفين لاختلاف الفائدتين، إذ وصفه بأنّه حلال يفيد بأنّه طَلِق، ووصفه بأنّه طيّب يُفيد أنّه مُستلذٌّ، إمّا في العاجل وإمّا في الآجل ))، ثم انتقل لبيان دلالتها التشريعيّة فقال: (( وهذه الآية دالّة على إباحة المَأكل إلاّ ما دلّ الدليل على حظره ) ) [1] .
وخلاصة القول مما تقدّم يتّضح أنّ مفهوم الدلالة لدى الطوسي قائمٌ على أُسسٍ معنويةّ بحتة، فهو مُدرِك أنّ الدلالة هي الغرض الأساس من وجود اللغة، وهي الغرض الذي ابتغاه من تأليفه هذا التفسير، إذ تلوح الدَلالات والاستدلالات والأدلّة من هذا المؤلف القيّم، ولذا فسوف نتتبعها ونترسّم أثر المؤلّف في تناوله الدلالي، ونستكشف تفاصيلها في إحاطة وشمول لجوانب البحث الدلالي لديه. مستضيئين بآراء سابقيه ومعاصريه ولاحقيه حتى يومنا هذا، وصولًا إلى كشف الأسرار التي يشتمل عليها النص القرآني الكريم.
(1) التبيان 2/ 72، وينظر: 1/ 441، 478، 2/ 18، 166، 3/ 110.