فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 176

ذكر التقوى [1] ، وقريب من هذا ما ذهب إليه المفسر المعاصر ابن عاشور إذ قال:"ان التعبير في الأول بـ (ارهبون) وفي الثاني بـ (اتقون) ، لأن الرهبة متقدمة على التقوى، إذ التقوى رهبة معتبر فيها العمل بالمأمورات واجتناب المنهيات بخلاف مطلق الرهبة فأنها اعتقاد وانفعال دون عمل، ولأن الآية المتقدمة تأمرهم بالوفاء بالعهد فناسبها أن يخوفوا من نكثه، وهذه الآية تأمرهم بالإيمان بالقرآن الذي منعهم منه بقية دهمائهم فناسبها الأمر بأن لا يتقوا إلاّ الله" [2] .

كذلك يمكن ملاحظة هذا النمط من الجمل في قوله - سبحانه وتعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ - ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ} ... [الأنفال:12 ـ 14] ، فقد أشارت هذه الآية إلى صنفين من العذاب الإلهي، الأول: دنيوي تمثل بضرب البنان والقتل والأسر، والآخر: أخروي تمثل بما أعد الله للكافرين من أنواع العذاب [3] ، جزاءًا بما أقدموا عليه من مشاقة الله ورسوله [4] ، والمشاقة مشتقة من الشِّق، لأن كلًا من المتعاديين يكون في شق خلاف شق صاحبه [5] ، وذهب الزجاج إلى أن في قوله - سبحانه وتعالى: {شَاقُّوا اللَّهَ} مجازًا، لأن المعنى شاقوا أولياء الله ودين الله [6] .

والكاف في قوله (ذلك) لخطاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويصح أن تكون خطابًا لكل واحد [7] ، والضمير في (ذلكم) للكفرة على طريقة الالتفات [8] ، وقد فسّرت جملة الاشتغال الأمرية (فذوقوه) جملة محذوفة تقديرها (ذوقوا ذلكم فذوقوه) [9] ، ومعنى الكلام التوبيخ

(1) ينظر: البحر المحيط 1/ 289 ـ 290.

(2) التحرير والتنوير 1/ 469.

(3) ينظر: الكشاف 2/ 148، والبحر المحيط 5/ 288.

(4) م. ن.

(5) ينظر: المفردات، للراغب / 264، والكشاف 2/ 148.

(6) ينظر: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج 2/ 328.

(7) ينظر: الكشاف 2/ 148.

(8) م. ن.

(9) ينظر: التبيان 2/ 619.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت