الإنسان حريّ به أن يخاف ربه جلّ شأنه [1] ، لا أن يخاف العباد لأنه وحده الضار والنافع على التحقيق.
وبالمثل ورد هذا النمط في قوله - سبحانه وتعالى: {وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: 41] ، إذ وردت هذه الآية عقب الآية السابقة في هذا السياق والخطاب فيها موجه للفئة نفسها وهم بنو اسرائيل المعاصرون للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد فسّرت جملة الاشتغال الأمرية (فاتقون) جملة محذوفة تقديرها: (وإياي اتقوا فاتقون) [2] ، وقد أدى تقدير العامل في الضمير المشغول عنه بعده وليس قبله إلى إفادة تخصيص التقوى بالله - سبحانه وتعالى - دون سواه، والمراد بالتقوى هنا: الإيمان واتباع الحق والإعراض عن (( الاشتراء بآيات الله تعالى الثمن القليل والعرض الزائل [3] .
ومما تجدر الإشارة إليه أنه ـ جلّ شأنه ـ ذكر في الآية السابقة (فارهبون) ، وفي هذه الآية قال - سبحانه وتعالى: {فَاتَّقُونِ} ، ولعل السبب في ذلك أن الرهبة دون التقوى [4] ، فحيثما خاطب الكافة عالمهم ومقلدهم، وحثهم على ذكر النعم التي يشتركون فيها أمرهم بالرهبة التي تورث التقوى، وحيثما خاطب العلماء والخاصة أمرهم بالتقوى التي أولها ترك المحظورات، وآخرها التبري مما سوى غاية الغايات [5] .
وذهب ابو حيان إلى أنه قد عبّر بالآية الأولى بـ (ارهبون) لأن ترك ذكر النعمة وعدم الإيفاء بالعهد من المعاصي التي يجوز فيها العقاب والعفو من الله - سبحانه وتعالى -، فناسبها ذكر الرهبة لأنها تخويف، في حين أن ترك الإيمان بالله - جل جلاله - والاشتراء بآياته ثمنًا قليلًا هي من المعاصي التي تحتم العقاب، ولا يجوز أن يقع فيها العفو، إذ قال - سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] فناسب ذلك
(1) المفردات في غريب القرآن / 204.
(2) ينظر: البيان 1/ 77، والبحر المحيط 1/ 289.
(3) ينظر: روح المعاني 1/ 243.
(4) م. ن.
(5) ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1/ 310، وروح المعاني 1/ 243.