ويحتمل أن يكون المراد من عهدهم الإيمان بنبي الرحمة والكتاب المعجز القرآن الكريم [1] ، ويدل عليه قوله - سبحانه وتعالى: {وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} [البقرة: 41] . والعهد لفظ يضاف إلى المعاهِد والمعاهدَ على حد سواء [2] .
ويلحظ أن جملة الاشتغال الأمرية (فارهبون) قد فسّرت جملة محذوفة تماثلها لفظًا ومعنىً تقديرها: (وإياي ارهبوا فارهبون) [3] ، وقد سقط الضمير المشغول به
(الياء) من السياق مراعاة للفاصلة القرآنية [4] ،. ومما تجدر الإشارة إليه أن العكبري قد ذهب إلى تقدير الفعل المحذوف العامل في الضمير المشغول عنه قبله والتقدير:
(وارهبوا إياي فأرهبون) [5] .وقد اعترض على ذلك مكي بن أبي طالب (ت437هـ) وأبو حيان، وذهبا إلى أن تقدير الفعل المحذوف يكون بعد الضمير لا قبله لأنه ضمير منفصل، فإذا ما قدر الفعل قبله لزم الاتصال [6] .
ومن الجدير بالذكر أن هذا الأسلوب (أي أسلوب الاشتغال) أوكد في إفادة الإختصاص من أسلوب تقديم المعمول على العامل، كما في قوله - سبحانه وتعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] لما فيه مع التقديم من تكرير المفعول به، وقد نصَّ على ذلك الزمخشري [7] ، ووافقه الكثير من العلماء [8] .
والرهب في قوله (فارهبون) هو الخوف [9] ، وقيل الخوف مع التحرز [10] ، وقد تضمنت هذه الآية عدة دلالات مضمنة في الأسلوب والألفاظ تمثلت بالوعد والوعيد، ووجوب الشكر والوفاء بالعهد لله تعالى، مع الإشارة إلى عدم الخوف من المخلوق وأن
(1) ينظر: الكشاف 1/ 276.
(2) ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1/ 307.
(3) ينظر: مشكل إعراب القرآن 1/ 90، والبيان في غريب إعراب القرآن 1/ 77، والتبيان 1/ 57.
(4) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 1/ 227.
(5) ينظر: التبيان 1/ 57.
(6) ينظر: مشكل اعراب القرآن 1/ 9، والبحر المحيط 1/ 284.
(7) ينظر: الكشاف 1/ 276.
(8) ينظر على سبيل المثال: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1/ 307، وارشاد العقل السليم 1/ 127.
(9) كتاب العين 4/ 47: مادة (رهب) .
(10) المفردات في غريب القرآن / 204.