فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 176

ويلحظ أيضًا أن قوله - سبحانه وتعالى: {يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} جملة ازدحمت فيها الدلالات النصية والإشارية التي تمثلت بتنزيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حال الشعراء، لأن أتباعه هم خيرة الناس وخيرة قومهم وليس أحدٌ منهم من الغاوين، وتنزيه أصحابه - عليه السلام -، وذم الشعراء وذم أتباعهم، وتنزيه القرآن الكريم عن الشعر [1] .

وفي قوله - سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} تمثيل لذهابهم في كل شعب القول واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق ومجاوزة حد القصد فيه [2] ، والرؤية ها هنا قلبية في قوله (ألم تر) لأن الهيام والوادي لفظتان مستعارتان لمعاني اضطراب القول في أغراض الشعر وذلك ومما يُعلم [3] ، كما أن في قوله - سبحانه وتعالى: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ} إخبارًا عن حال الشعراء، إذ أن أمرهم كما ذكر - سبحانه وتعالى - هوز اتباع الغواة لهم وسلوكهم أفانين الكلام من مدح الشيء وذمه ونسبة مالا يقع منهم إليهم، وذلك بخلاف حال النبوة فإنها طريقة واحدة لا يتبعها إلاّ الراشدون ودعوتها واحدة هي الدعاء إلى توحيد الحق وعبادته وإلى الصدق في القول [4] .

ثالثًا: الجملة الأمرية:

وردت الجملة الأمرية مفسرة في باب الاشتغال، في مواضع عدة منها قوله - سبحانه وتعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُون} [البقرة: 40] .

فقد وردت هذه الآية في سياق تهديد بني اسرائيل، والخطاب فيها لمن عاصر منهم النبي - صلى الله عليه وسلم - [5] ، واختلف في حقيقة العهد في الآية، إذ ذهب جمع من المفسرين إلى أن العهد الذي عاهدوا الله عليه هو الإيمان به - سبحانه وتعالى - ولزوم طاعته، وعهده ـ جلّ شأنه ـ إليهم هو حسن الثواب على ما يفعلون من الحسنات [6] .

(1) ينظر: التحرير والتنوير 19/ 208.

(2) ينظر: الكشاف 3/ 133.

(3) ينظر: التحرير والتنوير 19/ 209، والاستعارة في القرآن الكريم (رسالة ماجستير) / 66.

(4) ينظر: البحر المحيط 8/ 201.

(5) ينظر: روح المعاني 1/ 241.

(6) ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1/ 307.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت