ويجوز أن يكون مستعارًا لمسقط المولود من بطن أمه، فقد أطلق على ذلك الممر اسم السبيل في قولهم (السبيلان) [1] ، فيكون هذا من استعمال اللفظ مجازًا، وحمله على هذا المعنى فيه مناسبة لما بعده في قوله - سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} فأماته تقابل خلقه، وأقبره تقابل {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} لأن الاقبار ادخال في الأرض وهو ضد خروج المولود إلى الأرض [2] ، وقد اختار هذا التوجيه الإمام الرازي، فقد قال:"ومما يؤكد هذا التأويل أن خروجه حيًّا (أي المولود) من ذلك المنفذ الضيق من أعجب العجائب" [3] ، وقدم السبيل على الفعل في التركيب للإهتمام بالعبرة بتيسير السبيل بمعنييه المجازيين ولمناسبة الفواصل في الآية [4] .
وقد ورد هذا النمط أيضًا في القراءات القرآنية من ذلك قراءة من قرأ (الشعراء) بالنصب [5] في قوله - سبحانه وتعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ - أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ - وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 224 ـ 226]
فقد وردت هذه الآية في بيان حال الشعراء وأتباعهم من الضالين، ويلحظ أن جملة
(يتبعهم الغاوون) جملة مضارعة قد فسّرت جملة محذوفة قد عمل فعلها في الاسم المشغول عنه نصبًا [6] ، وتقدير الكلام (ويتبع الشعراء يتبعهم الغاوون) .
والشعراء هنا لفظ عام يُدْخِل تحت حكم ما بعده جميع الشعراء [7] ، إلاّ من استثناهم الحق - سبحانه وتعالى - من المؤمنين المتبعين سبيل الرشاد.
واختلف في دلالة الغاوين، فقال ابن عباس هم المستحسنون لأشعار الشعراء [8] ، وقيل هم الشياطين [9] ، وقال آخرون هم السفهاء [10] .
(1) ينظر: الاختيار لتعليل المختار 1/ 9.
(2) ينظر: التحرير والتنوير 30/ 123.
(3) التفسير الكبير 31/ 55.
(4) ينظر: التحرير والتنوير 30/ 124.
(5) وهي قراءة عيسى بن عمر الثقفي، ينظر: مختصر في شواذ القراءات، لابن خالويه / 108،
وإعراب القرآن، للنحاس 2/ 505، والجامع لأحكام القرآن 13/ 102. وعيسى بن عمر الثقفي
نحوه من خلال قراءته / 229.
(6) ينظر: إعراب القرآن، للنحاس 2/ 505.
(7) ينظر: البحر المحيط 8/ 200.
(8) ينظر: جامع البيان 19/ 145، والكشاف 3/ 133.
(9) م. ن.
(10) ينظر: معالم التنزيل / 949.