والذي يبدو للباحث في هذا النمط من الجمل أن ما ذهب إليه الكوفيون جدير بالاهتمام، ولا سيما أنه لا يحوجنا إلى تقدير محذوف، والتقدير كما هو معلوم خلاف الأصل، ولا سيما في النصوص القرآنية، وفضلًا عن ذلك فإن هذا الرأي قد تبنته الدراسات اللغوية المعاصرة لأنه أقرب إلى واقع اللغة [1] ، ويبتعد عن الافتراضات المتعسفة، كما أنه قد ورد في الشعر بأكثر من ستة مئة شاهد نحوي وكلها من عصر الاحتجاج [2] .
ويلحظ أيضًا أنه قد جيء بلفظ (أحد) في قوله - سبحانه وتعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} دون الاقتصار على لفظ (مشرك) للتنصيص على عموم الجنس؛ لأن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم [3] ، وقد تقدم (أحد) على (استجارك) لمزيد من الاهتمام والعناية بالمسند إليه وليكون أول ما يقرع السمع فيقع المسند بعد ذلك في نفس السامع موقع التمكن [4] .
ولعل المقصود من التنصيص على افادة العموم ومن تقديم المسند إليه على المسند تأكيد بذل الأمان لمن يسأله من المشركين إذا كان للقائه النبي - صلى الله عليه وسلم - ودخوله بلاد الإسلام مصلحة [5] ، ويحتمل الحرف (حتى) في قوله - سبحانه وتعالى: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} وجهين: الغاية، أي الى أن يسمع كلام الله، والتعليل أي كي يسمع كلام الله، وهو في الحالتين متعلق بالفعل (أجره) [6] .
ومما ورد على هذا النمط أيضًا قوله - سبحانه وتعالى: {قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا} [الإسراء: 100] ، فقد جاءت هذه الآية لتكشف بعض ما جبل عليه الإنسان من سجايا والمتمثلة بالبخل والشح [7] ،
(1) ينظر: في النحو العربي نقد وتوجيه / 170 ـ 171، والمركب الاسمي الأسنادي وأنماطه / 87.
(2) ينظر: نظرية النحو القرآني / 206 ـ 294.
(3) التحرير والتنوير 10/ 117، وينظر أيضًا: شرح جمع الجوامع، لجلال الدين المحلي 1/ 414.
(4) م. ن / 118.
(5) م. ن.
(6) ينظر: البحر المحيط 5/ 374.
(7) ينظر: الكشاف 2/ 468.