ولو آثر غيره بشيء فإنما يؤثره لعوض يفوقه [1] ، وقد ذيلت الآية بجملة حالية هي (وكان الإنسان قتورًا) لتضمنها حكمًا عامًا يشمل الجنس البشري كله هو البخل، وهذا حال الإنسان لأن أمره مبنى على الحاجة والضنة بما يحتاج اليه [2] .
حتى إذا انتقلنا إلى قوله - سبحانه وتعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1] لمحنا فيه سمات الشكل الأول أيضًا، وقد بينت هذه الآية أحد الأحداث الكونية العظيمة التي تدل على قيام الساعة والمتمثل بتكوير الشمس [3] ، وقد اختلف في معناه فذهب جمعٌ من المفسرين إلى أن التكوير هو اللف وهو مشتق من كورت العمامة إذا لففتها [4] ، وهو مجاز عن رفعها وازالتها من مكانها بعلاقة اللزوم، فإن الثوب إذا أريد رفعه يلف لفًا ويطوى ثم يرفع [5] . قال - سبحانه وتعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ}
[الأنبياء: 104] .
ويحتمل أن يكون المراد لف ضوئها المنبسط في الآفاق والمنتشر في الأقطار [6] ، إمّا على أن الشمس مجاز عن الضوء فإنه شائع في العرف أو على تقدير المضاف أي إذا كوّر ضوء الشمس أو على التجوز في الاسناد أي ذكر المحل والمراد مُتعَلِقهُ [7] .
ويلحظ أن جملة (كورت) قد فسّرت جملة محذوفة على شريطة التفسير تقديرها: (إذا كورت الشمس كورت) لأن (إذا) فيها معنى الشرط والشرط يقتضي الفعل، فلا يجوز أن يحمل على غيره، وهذا رأي الجمهور [8] ، في حين ذهب الكوفيون إلى أن
(الشمس) فاعل مرتفع بما عاد إليه من الفعل [9] ، قدم عليه لغرض التهويل [10] ، وعليه
(1) أنوار التنزيل وأسرار التأويل 3/ 468.
(2) ينظر: التحرير والتنوير 15/ 224.
(3) ينظر: فتح البيان 15/ 93 ـ 94.
(4) ينظر: المفردات، للراغب / 443، والكشاف 4/ 221، والبحر المحيط 1/ 414.
(5) ينظر: روح المعاني 30/ 49، والمجاز المرسل في القرآن الكريم (رسالة ماجستير) / 191.
(6) ينظر: الكشاف 4/ 221، وارشاد العقل السليم 6/ 383.
(7) ينظر: روح المعاني 30/ 49.
(8) ينظر: الكتاب 1/ 107، واعراب القرآن، للنحاس 3/ 632، والكشاف 4/ 221، والانصاف
2/ 620 (مسألة 85) ، والجنى الداني / 368.
(9) ينظر: الانصاف 2/ 616، وائتلاف النصرة / 129.
(10) ينظر: معاني النحو 2/ 474.