فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 176

النحاة، وقد أشرنا إلى ذلك في توطئة المبحث، إذ ذهب الكوفيون إلى أن هذه الجملة هي جملة جواب الشرط المتأخر، لأن الأصل عندهم تقديم الجواب على فعل الشرط [1] ، في حين ذهب البصريون إلى أن هذه الجملة هي دليل وتفسير للجواب المحذوف، لأن الأصل عندهم أن يتقدم فعل الشرط على الجواب لأنه بمنزلة الاستفهام والاستفهام له صدر الكلام، فكما لا يجوز أن يعمل ما بعد الاستفهام فيما قبله فكذلك الشرط [2] .

والذي يطمئن إليه البحث ويميل إليه هو ما ذهب إليه أهل الكوفة، ولا سيما أنه لا يحوجنا إلى تقدير محذوف والتقدير كما هو معلوم خلاف الأصل، ولا سيما في النصوص القرآنية، وفي قوله (قل ... ) خطابًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - تبكيتًا للنصارى وإظهارًا لبطلان قولهم الفاسد والقامًا لهم الحجر [3] ، وقيل الخطاب لكل من له أهلية الرد عليهم وابطال دعواتهم [4] ، و (من) في الآية استفهامية خرجت للإنكار والتوبيخ [5] .

وفي قوله - سبحانه وتعالى - {فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} تهويل للخطاب واظهار كمال العجز ببيان أن الكل تحت قهره تعالى وملكوته، لا يقدر أحد على دفع ما أريد به، فضلًا عن دفع ما أريد بغيره وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات في كونه عرضة للهلاك كما هو أسوة لهم في عدم استحقاق الأُلوهية [6] .

ويلحظ أن في قوله - سبحانه وتعالى - {وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} عطفًا من باب عطف العام على الخاص ليكون (سيدنا المسيح وأمه عليهما السلام) قد ذكرا مرتين، مرة بالنص وأخرى بالاندراج في العام، وذلك على سبيل التوكيد والمبالغة في تعلق نفاذ الارادة الالهية فيهما [7] ، وليعلم أنهما من جنس من في الأرض لا تفاوت بينهما في البشرية،

(1) ينظر: الانصاف 2/ 623 (مسألة 87) ، وشرح الرضي على الكافية 1/ 438، وروح المعاني6/ 98.

(2) ينظر: الانصاف 2/ 627 (مسألة 87) ، ورصف المباني / 106، والاكتناف في بناء الجملة

الشرطية القرآنية / 1.

(3) ينظر: ارشاد العقل السليم 2/ 252.

(4) ينظر: روح المعاني 6/ 98.

(5) ينظر: ارشاد العقل السليم 2/ 252، وجواهر البلاغة / 94، والبلاغة فنونها وأفنانها / 194.

(6) ينظر: ارشاد العقل السليم 2/ 252.

(7) ينظر: البحر المحيط 4/ 210 ـ 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت