وبالمثل ورد هذا النمط الذي على الشكل في قوله - سبحانه وتعالى - {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ، فقد ابتدأت الآية بالتعريض بالمشركين [1] ، والخطاب فيها لمشركي قريش [2] ، فقد أنكروا نبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقالوا الله اعظم من أن يكون رسوله بشراُ، فهلاّ بعث إلينا مَلَكًَا [3] ، فنزلت هذه الآية لترد عليهم وعلى دعواهم، ولمّا كان المقصود من خطاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - المتمثل في قوله - سبحانه وتعالى - {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا} تنبيه الكفار على مضمون ذلك الخطاب صرفه إليهم، فقال - سبحانه وتعالى - {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} أي أهل الكتاب أو علماء الأخبار أو كل من يوصف بعلم وتحقق ليعلموكم بذلك [4] .
وصيغة القصر في قوله - سبحانه وتعالى - {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا} جيء بها لقلب اعتقاد المشركين [5] المشار إليه بقوله - سبحانه وتعالى - {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا} ... [الاسراء: 94] إذ قصر الإرسال على الرجال دون سواهم، وفيها دلالة على أنه - جل جلاله - لم يرسل للدعوة العامة مَلَكًَا، ولا امرأة ولا صبيًا، وما ألمح إليه قوله - سبحانه وتعالى - {جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا} [فاطر: 1] من ارسال، إنما هو خاص بين الملائكة أنفسهم أو بين الملائكة والرسل ـ عليهم السلام ـ [6] .
وقد تضمنت الآية دلالة التزامية مفادها وجوب مراجعة العلماء فيما لا يُعْلَم [7] ، وفي قوله - سبحانه وتعالى - {إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ايماء إلى أنهم يعلمون ذلك، ولكنهم قصدوا المكابرة والتمويه لتضليل الدهماء من الناس [8] .
(1) ينظر: التحرير والتنوير 14/ 161.
(2) ينظر: البحر المحيط 6/ 533.
(3) ينظر: الكشاف 2/ 411،، والبحر المحيط 6/ 533.
(4) ينظر: ارشاد العقل السليم 4/ 64.
(5) ينظر: التحرير والتنوير 14/ 161.
(6) ينظر: التفسير الكبير 20/ 30، وارشاد العقل السليم 4/ 64.
(7) ينظر: ارشاد العقل السليم 4/ 64.
(8) ينظر: التحرير والتنوير 14/ 161.