وجملة {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} هي جملة الجزاء عند الكوفيين قدمت على جملة الشرط {إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} لأن الأصل فيها ذلك، وهي عند البصريين دليل وتفسير لجواب الشرط المحذوف، والتقدير: (إن كنتم لا تعلمون فسألوا أهل الذكر) .
حتى إذا انتقلنا إلى الشكل الثالث [1] من أشكال بناء الجملة الشرطية، والذي يمكن وصف صيغته التركيبية بما يأتي: بداية جواب الشرط + أداة الشرط + جملة الشرط + تتمة جواب الشرط لاحظنا أنه يتمثل في عدد من الآيات منها قوله - سبحانه وتعالى - {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنَ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ - قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام:14 ـ15] فقد جاءت هذه الآية ردًّا على دعوة المشركين للرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى عبادة أوثانهم، والظاهر أن الخوف فيها على بابه وهو توقع المكروه [2] ، وذهب ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ إلى أنه بمعنى (اعلم) [3] .
ويلحظ أن قوله (عصيت) دلالته عامة تشمل جميع أنواع المعاصي [4] ، إلاّ أن السياق في الآية يرشح كون المراد منه الشرك بالله - سبحانه وتعالى -، وقد بينت هذه الآية كمال اجتنابه - عليه السلام - عن المعاصي على الإطلاق [5] ، وفيها مبالغة في قطع أطماع الكفار فيه - صلى الله عليه وسلم - بالنظر إلى ما يفهم من قوله - سبحانه وتعالى - {أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} في الآية المتقدمة عليها [6] ، وتضمنت أيضًا تعريضًا بهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب [7] .
ويلحظ أن الجملة الشرطية مكتنفة بين الفعل (أخاف) والمفعول به (عذاب يوم عظيم) ، وقد اختلف النحاة في توجيه هذا الشكل من الجمل، فأهل البصرة يرون أن قوله - سبحانه وتعالى - {إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} جملة شرطية حذف جوابها لدلالة ما قبله عليه، والتقدير (ان عصيت ربي أخف عذاب يوم عظيم) فالمذكور المتقدم على فعل الشرط
(1) ينظر على سبيل المثال أيضًا السور: البقرة / 70، 246، النساء / 102، المائدة / 106، الكهف /
69، النور / 33.
(2) ينظر: البحر المحيط 4/ 454.
(3) الجامع لأحكام القرآن 6/ 256.
(4) ينظر: البحر المحيط 4/ 454.
(5) ينظر: ارشاد العقل السليم 2/ 362.
(6) ينظر: أنوار التنزيل 2/ 394.
(7) ينظر: روح المعاني 7/ 111.