وقد أُخر الايمان في السياق عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله - سبحانه وتعالى: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} مع تقدمه عليهما وجودًا ورتبة؛ لأن دلالتهما على أفضلية الأمة أظهر من دلالته عليها [1] ، إذ إِنَّ الايمان أمر مشترك بين الأمم بخلاف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ إنه مما امتازت به الأمة المحمدية من سائر الأمم حتى وصفها - سبحانه وتعالى - بهذا الوصف.
ومن الشواهد القرآنية على هذا النمط أيضًا قوله - سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ - يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}
[الصف: 10 ـ 12] ، فقد روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن بعض المؤمنين قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فنزل قوله - سبحانه وتعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ، فمكثوا ماشاء الله يقولون: ليتنا نعلم ما هي، فدلهم الله عليها بقوله - سبحانه وتعالى: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ - يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [2] ، قال الزمخشري:"وهذا دليل على أن (تؤمنون) كلام مستأنف" [3] وقع جوابًا عمّا نشأ قبله، كأنهم قالوا كيف أو ماذا نصنع؟ فقال: تؤمنون وهو خبر في معنى الأمر والمعنى (آمنوا) [4] ، بدليل قراءة ابن مسعود (امنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله) [5] بصيغتي الأمر، ومجيء (يغفر) بالجزم في جوابه على حد قولهم: اتقى الله امرؤ فعل خيرًا يثب عليه، أي ليتق وليفعل خيرًا يثب عليه [6] .
(1) ينظر: ارشاد العقل السليم 2/ 18.
(2) ينظر: الكشاف 4/ 99.
(3) م. ن.
(4) م. ن.
(5) معاني القرآن، للفراء 3/ 154، ومعاني القرآن واعرابه، للزجاج 5/ 131، والبحر المحيط
10/ 167، وينظر: قراءة عبد الله بن مسعود (رسالة ماجستير) / 223.
(6) ينظر: موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب / 38.