فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 176

وقد أشار قوله (كتبنا) إلى أن هذا الحكم لا يُستطاع جحده لأنه مكتوب والكتابة تزيد الكلام توثيقًا [1] . و (أنَّ) في قوله - سبحانه وتعالى: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} أدت في السياق وظيفتين: تمثلت الأولى بتوكيد مضمون ما بعدها من الأخبار [2] ، المتمثل بالقصاص العادل في القتل وفي الأحكام الأخرى المنصوص عليها في الآية، وتمثلت الثانية بتفسير الاجمال وتفصيله [3] ، وهو ما دل عليه قوله - سبحانه وتعالى: (كتبنا) إذ إن ما بعد (أنّ) المشددة ما هو إلاّ عين المفروض في التوراة من حيث المعنى، وقد ألمح ابن عاشور إلى هذه الحقيقة بقوله:"قد اتفق القراء على فتح همزة (أنّ) هنا لأن المفروض في التوراة ليس هو عين هذه الجمل، ولكن المعنى الحاصل منها وهو العوضية والمساواة فيها" [4] .

وفي قوله - سبحانه وتعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} تذييل مقرر لايجاب العمل بالأحكام المذكورة [5] ، وفيه تحذير من مخالفتها.

وبالمثل ورد هذا النمط في قوله - سبحانه وتعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] ، فقد جاءت هذه الآية لتحكي لنا حال الجمع المؤمن عند لقائه العدو في معركة بدر [6] .

و (إذ) في قوله - سبحانه وتعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} تحتمل أن تكون متعلقة بما قبلها فيكون العامل فيها قوله - سبحانه وتعالى: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ} [الأنفال: 8] في الآية السابقة، وقد قال بهذا الرأي الطبري [7] .

وتحتمل أن تكون مستأنفة على تقدير (واذكروا إذ تستغيثون) وعليه يكون ما بعدها كلامًا جديدًا منقطعًا عمّا قبله، وقد قال بهذا الرأي النحاس [8] ، والحوفي

(1) ينظر: التحرير والتنوير 6/ 213.

(2) ينظر: رصف المباني / 125.

(3) ينظر: التحرير والتنوير 9/ 275.

(4) م. ن 6/ 214.

(5) ينظر: ارشاد العقل السليم 2/ 279.

(6) ينظر: البحر المحيط 5/ 278.

(7) ينظر: جامع البيان 9/ 223، وينظر: البحر المحيط 5/ 278.

(8) اعراب القرآن 1/ 666.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت