والمعنى عليه: أنهم يأتون فرقة بعد فرقة [1] ، كالقوم الذين اردفوا على الدواب [2] ، وعلى القراءة الثانية يكون قوله (مُرْدَفينَ) اسم مفعول، والمعنى عليه أن الله - سبحانه وتعالى - أردف المسلمين وأيدهم بهذا الجمع المبارك من الملائكة [3] .
ومن شواهد هذا النمط أيضًا قوله - سبحانه وتعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} [الحجر: 66] . إذ يلحظ أن الفعل (قضينا) في الآية قد تعدى بحرف الجر (إلى) لأنه تضمن معنى (أوحينا) [4] ، والتقدير (أوحينا إليه) . ومعاد الضمير في قوله (إليه) هو سيدنا لوط - عليه السلام - [5] ، وقد تضمن قوله (ذلك الأمر) ابهامًا فسرته جملة {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} [6] ، المصدرة بـ (أنّ) المفتوحة الهمزة المشددة النون، التي ازدوجت وظيفتها في السياق لتقوم بتفسير مضمون (الأمر) قبلها من جهة [7] ، وتأكيد مضمون الخبر بعدها من جهة أخرى [8] . وفي ابهام (الأمر) أولًا، ثم تفسيره ثانيًا مع الاشارة إليه باسم الاشارة (ذلك) ، المستعمل في الاشارة إلى البعيد تفخيم لمضمونه وتعظيم له [9] .
ولعلني وأنا أقف على آراء النحاة في إعراب هذه الآية أجد من الضروري التنبيه على أنّ ما ذ كره ابن هشام من أنّ الرأي المشهور عن النحاة في الجملة المفسرة هو أنها لا محل لها من الإعراب، وأن المخالف في ذلك هو أبو علي الشلوبين [10] غير دقيق، فقد سبق الزجاج الشلوبين إلى القول بالمحلية الاعرابية للجملة المفسرة عند اعرابه للآية التي نحن بصددها، إذ ذهب إلى أن محل (أنّ) في قوله - سبحانه وتعالى: أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ
(1) ينظر: معاني القرآن واعرابه، للزجاج 2/ 326.
(2) معاني القرآن للفراء 1/ 404، وينظر: التفسير الكبير 15/ 105.
(3) ينظر: التفسير الكبير 15/ 105.
(4) ينظر: الكشاف 2/ 394، والبحر المحيط 6/ 488.
(5) البحر المحيط 6/ 488.
(6) ينظر: معاني القرآن واعرابه، للزجاج 3/ 149، والكشاف 2/ 394، وأنوار التنزيل وأسرار
التأويل 3/ 375.
(7) ينظر: التحرير والتنوير 14/ 65.
(8) رصف المباني / 125.
(9) ينظر: التفسير الكبير 19/ 160، والتحرير والتنوير 14/ 65.
(10) ينظر: الاعراب عن قواعد الأعراب / 46 ـ 47.