ويلحظ أن النجاة قد جعلت من آل فرعون ولم تجعل من فرعون نفسه مع أنه الآمر بتعذيب بني اسرائيل على التحقيق، ولعل ذلك من باب تعليق الفعل بما هو من متعلقاته على طريقة الحقيقة العقلية والتنبيه على أن وكلاء فرعون ومؤيديه المكلفين ببني اسرائيل كانوا يتجاوزون الحد المأمور به في الاعنات على عادة المتنفذين، فإنهم أقل رحمةً وأضيق نفوسًا من ولاة الأمور [1] ، ومعنى (يسومونكم) يولونكم أو يكلفونكم الأعمال الشاقة والأمور الفظيعة، وقد حكى أن فرعون صنّف بني اسرائيل في الأعمال عدّة أصناف: صنف يبنون ويحرثون، وصنف يخدمون، ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية يؤديها كل يوم ومن غربت عليه الشمس قبل أن يؤديها غلت يده إلى عنقه شهرًا، وجعل النساء يغزلن الكتان وينسجن [2] .
وجملة (يذبحون ابناءكم) موضع خلاف بين النحاة، إذ ذهب الزجاج [3] ، والزمخشري [4] ، والرازي [5] ، إلى أنها جملة تفسيرية بينت وفصّلت الاجمال في قوله - سبحانه وتعالى: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} ، إذ إنَّ الذبح والاستحياء من جملة العذاب، وهما أشد أنواعه وطأةً على النفس الإنسانية، في حين ذهب الاسكافي (ت 420 هـ) [6] ، والقرطبي (ت 671 هـ) [7] ، والغرناطي (ت 708 هـ) [8] ، والآلوسي [9] من القدماء، وصاحب كتاب النحو القرآني [10] من المحدثين إلى أنها تحتمل البدلية أيضًا، وعليه فهي بدل بعض من كل، وعلى كلا الرأيين فإن هذه الجملة المتصدرة بالفعل المضارع قد أدت وظيفة تفسيرية بيانية اتضح من خلالها ما أجمل وأبهم من أصناف العذاب في قوله - سبحانه وتعالى: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} .
(1) ينظر: التحرير والتنوير 1/ 490.
(2) ينظر: روح المعاني 1/ 252.
(3) معاني القرآن واعرابه، للزجاج 1/ 119.
(4) الكشاف 1/ 279.
(5) التفسير الكبير 3/ 64.
(6) درة التنزيل / 13.
(7) الجامع لأحكام القرآن 1/ 261.
(8) ملاك التأويل 1/ 202.
(9) روح المعاني 1/ 252.
(10) النحو القرآني، للدكتور جميل أحمد ظفر / 504.