فهو يتحزّن لهم ويتلطف بهم ويستدعي بذلك أن لا يتهموه لأن سروره سرورهم وغمه هو غمهم [1] .
وقوله - سبحانه وتعالى: {تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} جملة تحتمل أن تكون تفسيرية لمضمون الجملة المتقدمة عليها في قوله - سبحانه وتعالى: {تَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} إذ من المعلوم أن الدعوة إلى النار لها أشكال عديدة يُعَدُّ الكفر بالله احدها، وعليه فهذه الجملة فيها اجمال وضحته وفسرت مضمونه في هذا السياق جملة
{تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ ... } .
وتحتمل أن تكون بدلًا من قوله - سبحانه وتعالى: {تَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ... } ، وذلك لِما فيها من زيادة بيان عن الجملة المبدل منها، فضلًا عن صحة احلالها محلها في السياق.
وقد قال بالاحتمالين كل من العكبري [2] ، والبيضاوي [3] ، في حين ذهب الزمخشري إلى الاحتمال الأول [4] ، وابن هشام [5] إلى الاحتمال الثاني.
والذي يبدو للباحث أن هذه الجملة على كلا الاحتمالين قد فسّرت لنا الكيفية في دعوتهم إياه إلى النار ببيان السبب الذي يقود إلى ذلك والمتمثل بالكفر بالله.
وورد هذا النمط في آية أخرى أدت فيها الجملة وظيفة التفسير مع احتمالها للبدلية، وذلك في قوله - سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ - كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ - وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ - وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 15ـ 19] ، فقد وردت هذه الآيات في سياق مدح المتقين [6] .
(1) ينظر: الكشاف 3/ 428.
(2) التبيان 2/ 1120.
(3) أنوار التنزيل وأسرار التأويل 5/ 90.
(4) الكشاف 3/ 428.
(5) مغني اللبيب 2/ 426
(6) ينظر: الكشاف 4/ 15.