ويلحظ أن في قوله - سبحانه وتعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} تعليلًا لإستحقاقهم ذلك الفوز الأخروي [1] ، ومعنى الإحسان بالإجمال ما أشار إليه عليه الصلاة والسلام بقوله: (( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ) [2] ، وقد فسّر في السياق بقوله - سبحانه وتعالى: {كَانُوا قَلِيلا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} على أن الجملة في محل رفع بدل من قوله - سبحانه وتعالى: {كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} حصل بها التفسير [3] ، وقيل إنها جملة تفسيرية كسائر الجمل المفسرة [4] .
و (ما) من قوله - سبحانه وتعالى: {مَا يَهْجَعُونَ} مزيدة للتوكيد، والمعنى: كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل إن جعلنا (قليلًا) ظرفًا، ولنا أن نجعله صفة للمصدر أي كانوا يهجعون هجوعًا قليلًا [5] ، ولا يجوز أن تُجعل (ما) نافية كما ذهب إلى ذلك بعضهم، لأن (ما) النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها [6] . ومعنى قوله - سبحانه وتعالى:
{وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} : أنهم مع قلّة هجوعهم وكثرة تهجدهم إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم أسلفوا ليلهم في الجرائم [7] .
وفي اسناد الفعل المضارع (يهجعون) إلى الضمير المنفصل (هم) وبنائه عليه في السياق إشعار بأنهم احقاء بذلك الإستغفار لوفور علمهم بالله وخشيتهم منه [8] ، وكأنهم المختصون بذلك من دون سواهم لاستدامتهم عليه [9] . ومعنى قوله - سبحانه وتعالى:
{وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} : أنهم يستوجبون على أنفسهم اعطاء نصيب من أموالهم للفقراء تقربًا إليه - سبحانه وتعالى - واشفاقًا على الناس [10] ، وبذلك تكون الأحوال الثلاثة
(1) ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 5/ 236.
(2) ينظر: ارشاد العقل السليم 6/ 135، وصحيح البخاري 1/ 19 (كتاب الإيمان) .
(3) روح المعاني 27/ 7.
(4) ينظر: الكشاف 4/ 15، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل 5/ 236.
(5) الكشاف 4/ 15.
(6) م. ن.
(7) ينظر: ارشاد العقل السليم 6/ 135.
(8) ينظر: أنوار التنزيل 5/ 236.
(9) ينظر: ارشاد العقل السليم 6/ 135.
(10) م. ن 6/ 136.