ويلحظ هذا النمط أيضًا في قوله - سبحانه وتعالى: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} [هود: 42] . فقد وردت هذه الآية في سياق المحاورة التي جرت بين سيدنا نوح - عليه السلام - وابنه [1] ، وقد عرضت لنا مشهدًا من مشاهد الطوفان الذي عمَّ الأرض آنذاك.
ويلحظ أن جملة (نادى) قد عطفت على أَعلق الجمل بها اتصالًا، وهي جملة {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا} في الآية السابقة قال - سبحانه وتعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [هود: 41] لأن نداءه ابنه كان قبل جريان السفينة في موج كالجبال وليس بعده إذ يتعذر ايقافها بعد جريانها [2] في هذا الهيجان المائي، لأنه لا توجد الوسائل التقنية التي تساعد على ذلك، واختلف في حقيقة نسبة ابن نوح - عليه السلام - إليه، فقد قيل إنه ابن زوجته وأنه كان ربيبًا له [3] ، ويؤيد ذلك قراءة سيدنا علي - عليه السلام - (ونادى نوح ابنها) على أن الضمير يعود لأمرأته [4] ، وما قيل من أنه ولد على فراشه لغير رَشْدَةٍ بناءً على قوله (فخانتاهما) غير صحيح وهو أمر قد عصمالله أنبياءه من أن يقع في نسائهم، والمراد بالخيانة المذكورة هي خيانة الدين [5] .
واختلف في معنى قوله - سبحانه وتعالى: {وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} ، فقيل أنه كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وأخوته وقومه، بحيث لم يتناوله خطاب أبيه (اركبوا فيها) ، ولذلك احتاج سيدنا نوح - عليه السلام - إلى النداء المذكور [6] . وذهب آخرون إلى أنه كان في معزل عن دين أبيه [7] ، وقيل عن السفينة [8] ، كما اختلف في السبب الذي جعل سيدنا نوح - عليه السلام - يدعو ابنه إلى الركوب في السفينة مع أنه كان كافرًا، فقيل إنه ظنَّ أنَّه مؤمن
(1) ينظر: ارشاد العقل السليم 3/ 315.
(2) ينظر: التحرير والتنوير 12/ 75.
(3) ينظر: أنوار التنزيل 3وأسرار التأويل / 235.
(4) ينظر: المحتسب 1/ 322، والكشاف 2/ 270، والتبيان 2/ 699، والجامع لأحكام القرآن
(5) ينظر: التفسير الكبير 17/ 185، وارشاد العقل السليم 3/ 315.
(6) ينظر: الكشاف 2/ 270، وارشاد العقل السليم 3/ 315.
(7) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 9/ 27.
(8) م. ن.