فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 176

وقد شُهر عن ابن عصفور (ت 669 هـ) تجويزه وقوع (أنْ) مفسِّرة بعد القول الصريح، إذ قال عند كلامه على هذه الأداة:"ولا تقع إلاّ بعد القول وما في معناه" [1] .

وعند وقوفنا على مصادر النحو القديمة وجدنا أن ابن عصفور قد سُبق بهذا الرأي، إذ ذهب الخليل بن أحمد الفراهيدي [2] (ت 175 هـ) إلى جواز عّدِّ (أنْ) مفسِّرة في قوله - سبحانه وتعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 117] ، وقد ذهب إلى مثل هذا الزجاج [3] أيضًا، وكذلك نقل الشيخ خالد الأزهري عن سليم الرازي [4] (ت 447 هـ) الرأي نفسه.

ولكن يُلحظ على توجيههم جميعًا أنهم لم يُبينوا ما فسّرته (أنْ) في الآية، أهو فعل القول أم ما أُمرَ به؟ وإن بدا لنا أن مقصودهم هو الأول. وربّما كان الزمخشري أكثر تحديدًا في هذه المسألة، إذ قال:"أنْ في قوله: (أنِ اعبدوا الله) إن جعلتها مفسِّرة، لم يكن لها بُدٌّ من مفسَّر، والمفسَّر إما فعل القول وإما فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له؛ أما فعل القول: فيحكى بعده الكلام من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير، ... وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير (الله) ، فلو فسَّرته بـ (اعبدوا الله ربي وربكم) لم يستقمْ؛ لأن الله لا يقول: اعبدو الله ربي وربكم ... فإن قلت: كيف تصنع؟ قلت: يُحمل فعل القول على معناه؛ لأن معنى ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به: ما أمرتهم إلاّ بما أمرتني به؛ حتى يستقيم تفسيره بـ: أنِ اعبدوا الله ربّي وربّكم" [5] .

وقد استحسن ابن هشام هذا التوجيه في المغني [6] ، في حين ذكر الدماميني

(ت 827 هـ) مؤكدًا هذا الشرط: بأنه لا يوجد في كلام العرب (أنْ) مفسِّرة بعد جملة فيها فعل القول، إذ قال:"ولا يقال: قلتُ له أنِ افعل؛ لعدم وجوده في كلامهم،"

(1) شرح جمل الزجاجي 2/ 483.

(2) ينظر: الكتاب 3/ 162.

(3) ينظر: معاني القرآن وإعرابه 2/ 223.

(4) ينظر: موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب / 90، وسليم الرازي هو أبو الفتح سليم بن أيوب

ابن سليم الرازي، فقيه شافعي، وأديب، عرف بالفضل والعبادة وحسن الخط، توفي سنة

(447 هـ) . ينظر: وفيات الأعيان 2/ 397.

(5) الكشاف 1/ 656 ـ 657.

(6) ينظر: مغني اللبيب 1/ 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت