اضدادها وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان وترك العدل في القول ونكث عهد الله" [1] ، وقد وافقه في ذلك البيضاوي [2] ،وأبو السعود إذ قال الأخير مؤيدًا:"وليس من ضرورة كون المعطوف عليه تفسيرًا لتلاوة المحرمات بحسب منطوقه، كون المعطوفات أيضًا كذلك، حتى يمتنع انتظام الأوامر في سلك العطف عليه، بل يكفي في ذلك كونها تفسيرًا لها باعتبار لوازمها التي هي النواهي المتعلقة بأضداد ما تعلقت هي به فإن الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضده، بل هو عينه عند البعض، كأن الأوامر ذكرت وقصد لوازمها فإن عطف الأوامر على النواهي الواقعة بعد (أن) المفسرة لتلاوة المحرمات مع القطع بأن المأمور لا يكون محرمًا دليل واضح على أن التحريم راجع إلى الأضداد على الوجه المذكور فكأنه قيل: أتل ما حرم ربكم أن لا تشركوا ولا تسيئوا إلى الوالدين خلا أنه قد أخرج مُخرج الأمر بالإحسان إليهما بين النهيين المكتنفين له للمبالغة في إيجاب مراعاة حقوقهما، ولذلك عقّب به النهي عن الاشراك الذي هو اعظم المحرمات وأكبر الكبائر" [3] ."
وأمّا التوجيه الآخر فهو لأبي حيّان إذ قال إن:"الأوامر معطوفة على المناهي وداخلة تحت (أن) التفسيرية ويصح ذلك على تقدير محذوف تكون (أَنْ) مفسرة له وللمنطوق قبله الذي دلّ عليه حذفه، والتقدير (وما أمركم به) فحذف (وما أمركم به) لدلالة (ما حرم) عليه؛ لأن معنى ما حرّم ربكم عليكم: ما نهاكم ربكم عنه، فالمعنى: قل تعالوا أتل ما نهاكم ربكم عنه وإذا كان التقدير هذا، صح أن تكون (أن) تفسيرية لفعل النهي الدال عليه التحريم، وفعل الأمر المحذوف، ألا ترى أنه يجوز أن تقول: أمرتك أن لا تكرم جاهلًا واكرم عالمًا، إذ يجوز عطف الأمر على النهي والنهي على الأمر، كما قال امرؤ القيس:"
وقوفًا بها صحبي عليّ مطيهم ... يقولون لا تهلك أسىً وتحمل" [4] "
وقد وافقه في ذلك ابن كثير [5] (ت 774 هـ) واستحسن هذا التخريج الآلوسي [6] .
ويلحظ أن الآية الأولى ختمت بقوله - سبحانه وتعالى: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} والآية الثانية بقوله - سبحانه وتعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} والآية الثالثة بقوله - سبحانه وتعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، ولعل السبب
(1) الكشاف 2/ 61.
(2) أنوار التنزيل وأسرار التأويل 2/ 465.
(3) ارشاد العقل السليم 2/ 458 ـ 459.
(4) البحر المحيط 4/ 685 ـ 686، وينظر: ديوان امرئ القيس / 9.
(5) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير 3/ 120.
(6) روح المعاني 8/ 59.