في ذلك أن التكاليف المذكورة في الآية الأولى أمور ظاهرة جلية يدرك العقل ابتداءً قبحها، ولذلك اتبعت بترجي التعقل، لأن السلامة منها لا تكون مع وضوح أمرها إلاّ بتوفيق الله تعالى [1] ، في حين أن التكاليف الأخرى خفية وغامضة لابد فيها من الاجتهاد والفكر حتى يقف المرء على موضع الاعتدال فيها [2] ، إذ هي مما تؤثر فيه الشهوات والأهواء وذلك مما يُعْمي وَيُصِمْ، ولذا أُتبع برجاء التذكر لأن من تذكر أبصر فعقل فامتنع [3] ، ولمّا كانت هذه التكاليف مما اتفقت عليه الشرائع ولم تنسخ في ملة من الملل وأن من أخذ بها كان سالكًا الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه ولا أمت عَقّب بقوله - سبحانه وتعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} إذ أن الأمر فيه عام لكافة الخلق.
ثم قال - سبحانه وتعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} واتبعه بقوله: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وقد ترتب حاصلًا من مضمن الآيات الثلاث أنه من عقل وتذكر إتقى والمتقون هم المفلحون [4] .
الموضع الثاني:
ويتمثل بقوله - سبحانه وتعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ - أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ - وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: 1 ـ 3] .
فقد وردت هذه الآيات في افتتاح سورة قرآنية وهي تشير إلى تعظيم النص القرآني وتمجيده وفيها إيماء إلى التحدي بالمعارضة بما أشارت إليه الحروف المقطعة المفتتحة بها السورة [5] .
واختلف في (أَنْ) في قوله (ألاّ تعبدوا) إذ ذهب الفرّاء إلى أنها مصدرية ومحلها النصب بنزع الخافض [6] ، وذهب الزمخشري إلى أنها تفسيرية لما في
التفصيل من معنى القول [7] ، وقد اختار هذا الرأي الرازي [8] ، ومحمد بن أحمد
الكلبي [9] (ت 741 هـ) ، وأبو حيان [10] ، ومن المحدثين ابن عاشور [11] .
(1) ينظر: درة التنزيل / 137 ـ 138، والتفسير الكبير 13/ 193، وملاك التأويل 1/ 480 ـ 481.
(2) ينظر: التفسير الكبير 13/ 193.
(3) ينظر: ملاك التأويل 1/ 480.
(4) ينظر: التفسير الكبير 14/ 4، وملاك التأويل 1/ 481.
(5) ينظر: التحرير والتنوير 11/ 312.
(6) معاني القرآن 2/ 3.
(7) الكشاف 2/ 258.
(8) التفسير الكبير 17/ 144.
(9) التسهيل لعلوم التنزيل 2/ 188.
(10) البحر المحيط 6/ 120.
(11) التحرير والتنوير 11/ 315.