فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 176

في ذلك أن التكاليف المذكورة في الآية الأولى أمور ظاهرة جلية يدرك العقل ابتداءً قبحها، ولذلك اتبعت بترجي التعقل، لأن السلامة منها لا تكون مع وضوح أمرها إلاّ بتوفيق الله تعالى [1] ، في حين أن التكاليف الأخرى خفية وغامضة لابد فيها من الاجتهاد والفكر حتى يقف المرء على موضع الاعتدال فيها [2] ، إذ هي مما تؤثر فيه الشهوات والأهواء وذلك مما يُعْمي وَيُصِمْ، ولذا أُتبع برجاء التذكر لأن من تذكر أبصر فعقل فامتنع [3] ، ولمّا كانت هذه التكاليف مما اتفقت عليه الشرائع ولم تنسخ في ملة من الملل وأن من أخذ بها كان سالكًا الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه ولا أمت عَقّب بقوله - سبحانه وتعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} إذ أن الأمر فيه عام لكافة الخلق.

ثم قال - سبحانه وتعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} واتبعه بقوله: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وقد ترتب حاصلًا من مضمن الآيات الثلاث أنه من عقل وتذكر إتقى والمتقون هم المفلحون [4] .

الموضع الثاني:

ويتمثل بقوله - سبحانه وتعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ - أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ - وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: 1 ـ 3] .

فقد وردت هذه الآيات في افتتاح سورة قرآنية وهي تشير إلى تعظيم النص القرآني وتمجيده وفيها إيماء إلى التحدي بالمعارضة بما أشارت إليه الحروف المقطعة المفتتحة بها السورة [5] .

واختلف في (أَنْ) في قوله (ألاّ تعبدوا) إذ ذهب الفرّاء إلى أنها مصدرية ومحلها النصب بنزع الخافض [6] ، وذهب الزمخشري إلى أنها تفسيرية لما في

التفصيل من معنى القول [7] ، وقد اختار هذا الرأي الرازي [8] ، ومحمد بن أحمد

الكلبي [9] (ت 741 هـ) ، وأبو حيان [10] ، ومن المحدثين ابن عاشور [11] .

(1) ينظر: درة التنزيل / 137 ـ 138، والتفسير الكبير 13/ 193، وملاك التأويل 1/ 480 ـ 481.

(2) ينظر: التفسير الكبير 13/ 193.

(3) ينظر: ملاك التأويل 1/ 480.

(4) ينظر: التفسير الكبير 14/ 4، وملاك التأويل 1/ 481.

(5) ينظر: التحرير والتنوير 11/ 312.

(6) معاني القرآن 2/ 3.

(7) الكشاف 2/ 258.

(8) التفسير الكبير 17/ 144.

(9) التسهيل لعلوم التنزيل 2/ 188.

(10) البحر المحيط 6/ 120.

(11) التحرير والتنوير 11/ 315.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت