في حين أجاز العكبري وجهًا ثالثاُ هو أن تكون مخففة من الثقيلة [1] .
والذي يميل إليه البحث ويطمئن إليه هو الوجه الثاني القاضي بالتفسير وذلك لوقوعها بعد جملة تامة متضمنة القول معنىً، ولأنه قد عطف عليها أمر هو قوله - سبحانه وتعالى:
{أَنِ اسْتَغْفِرُوا} وهو ما يمنع حملها على المصدرية، لأن الأمر لا يكون صلة لها، كما ان عدها تفسيرية وجه لا يحوج إلى إضمار والإضمار خلاف الأولى [2] .
واختلف في مضمون قوله - سبحانه وتعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} إذ روى الطبري أنها:"احكمت بالأمر والنهي وفصّلت بالثواب والعقاب" [3] ، وقال الرازي إنها"نظمت نظمًا رصيفًا محكمًا لا يقع فيه نقص ولا خلل كالبناء المحكم المرصف" [4] ، وذكر ابن عاشور أن التفصيل في الآية هو التوضيح والبيان، وهو مشتق من الفصل بمعنى التفريق بين الشيء وغيره بما يميزه فصار كنايةً مشهورة عن البيان لما فيه من فصل المعاني [5] .
ويلحظ التقابل الدلالي في قوله - سبحانه وتعالى: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} مع قوله - سبحانه وتعالى: {حَكِيمٍ خَبِيرٍ} إذ جاءت هاتان الصفتان متناسبتين تمامًا مع الفعلين السابقين لهما، فالحكيم هو من أحكم الآيات بحكمته، والخبير هو من فصّلها على أكمل وجه بدقائق معرفته [6] .
(1) التبيان 2/ 688.
(2) ينظر: التفسير الكبير 17/ 144، والبحر المحيط 6/ 15، وحاشية الجمل 2/ 379.
(3) جامع البيان 11/ 206.
(4) التفسير الكبير 17/ 142.
(5) ينظر: التحرير والتنوير 11/ 315.
(6) ينظر: التحرير وزالتنوير 11/ 315.