فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 176

ويلحظ أيضًا أنَّ حرف العطف (ثم) في قوله (ثم فصلت) لم يفد التراخي الزمني بل التراخي الحالي، وهذا يعني أنها جاءت لترتيب الأخبار لا لترتيب الأحداث زمنيًا [1] وهذا ما يدل على أن الإحكام والتفصيل قد حدثا في زمن واحد لا في أزمان مختلفة،

وذهب ابن عاشور إلى أنها أفادت التراخي في الرتبة [2] إذ قدّم الإحكام لأهميته، وجاء قوله - سبحانه وتعالى: {إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} اعتراضًا واقعًا بين متعاطفين أفاد التحذير من مخالفة النهي، والتحريض على إمتثاله [3] ، وجاءت جملة (وأن استغفروا) معطوفة على جملة (لا تعبدوا) وهي تفسير ثانٍ يرجع إلى ما في الجملة الأولى من لفظ التفصيل وهي تمثل ابتداء التفصيل لأنه بيان وإرشاد لوسائل نبذ عبادة ما عدا الله [4] .

ويلحظ أن (ثم) في قوله - سبحانه وتعالى: {اسْتَغْفِرُوا اللَّهِ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} تفيد الترتيب، قال ابن عطية:"و (ثم) مرتبة لأنّ الكافر أول ما ينيب فأنّه في طلب مغفرة ربه فإذا تاب وتجرد من الكفر تمَّ إيمانه" [5] .

وقال الزمخشري"فإن قلت: ما معنى (ثم) في قوله - سبحانه وتعالى: {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} قلت: معناه استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة أو استغفروا والإستغفار توبة، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها" [6] .

وقد تقدم في السياق أمران بينهما تراخٍ هما الإستغفار والتوبة، ورُتِبَ عليهما جوابان بينهما تراخٍ أيضًا إذ ترتب على الإستغفار التمتع في الدنيا وترتب على التوبة إيتاء الفضل في الآخرة، وقد ناسب كل جواب لما وقع جوابًا له لأن الإستغفار من الذنب أول حال الراجع إلى الله، فناسب أن يرتب عليه حال الدنيا، والتوبة هي المنجية من النار وهي التي تُدْخِل الجنة فناسب أن يرتب عليها حال الآخرة [7] .

الموضع الثالث:

(1) ينظر: التفسير الكبير 17/ 143.

(2) ينظر: التحرير والتنوير 11/ 315.

(3) م. ن 11/ 316.

(4) م. ن 11/ 317.

(5) المحرر الوجيز / 930.

(6) الكشاف 2/ 258.

(7) ينظر: البحر المحيط 6/ 121.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت