ويتمثل بقوله - سبحانه وتعالى: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا - فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا}
[مريم: 23 ـ 24] .
عرضت هاتان الآيتان قصة السيدة مريم العذراء وإنجابها وليدًا من غير أب هو السيد المسيح - عليه السلام -، وقد شاءت الحكمة الإلهية هذا الأمر لتكون آثار تلك المعجزة ماثلة أمام الأذهان لتدلل في كل زمان على بديع صنع الخالق [1] .
و (أنْ) في قوله (ألاّ تحزني) تفسيرية لما في النداء من معنى القول، وقد اختار هذا الرأي القرطبي [2] (ت 671 هـ) ، للنسفي [3] (ت 710 هـ) ، وأبو حيان [4] ، والبروسوي [5] (ت 1375 هـ) ، والشنقيطي [6] (ت 393 هـ) ، وابن عاشور [7] .
في حين ذهب العكبري [8] ، والبيضاوي [9] ، وأبو السعود [10] ، والشوكاني [11] ، والآلوسي [12] ،إلى أنها قد تحتمل المصدرية أيضًا. والفاء في قوله (فأجاءها المخاض) للتعقيب العرفي: أي جاء المخاض بعد تمام مدة الحمل [13] ،وفيه مجاز إذ الأصل جاءها، ثم عدي بالهمزة إلى مفعولٍ ثانٍ، واستعمل بمعنى (الألجاء) [14] ،أي: الجأها المخاض إلى جذع النخلة، قال الفرّاء:"فأجاءها ... من جئت كما تقول: فجاء بها المخاض إلى جذع النخلة، فلمّا ألقيت الباء جعلت في الفعل ألفًا" [15] .
(1) ينظر: صفوة التفاسير 2/ 182.
(2) الجامع لأحكام القرآن 11/ 64.
(3) مدارك التنزيل 2/ 324.
(4) البحر المحيط 7/ 253.
(5) تنوير الأذهان 2/ 411.
(6) أضواء البيان 4/ 246.
(7) التحرير والتنوير 16/ 86.
(8) التبيان 2/ 871.
(9) أنوار التنزيل وأسرار التأويل 4/ 11.
(10) ارشاد العقل السليم 4/ 237.
(11) فتح القدير 3/ 453 ـ 454.
(12) روح المعاني 16/ 83.
(13) ينظر: التحرير والتنوير 16/ 85.
(14) ينظر: مجاز القرآن 2/ 3، والتبيان 2/ 870.
(15) معاني القرآن 2/ 164.