ويلحظ أن جملة (قالت ... ) استئناف بياني، لأن السامع يتشوف إلى معرفة حالها إبان وضع حملها بعدما كان أمرها مستترًا غير مكشوف بين الناس، وقد آن أن ينكشف، فيجاب السامع بأنها تمنت الموت قبل ذلك فهي في حالة من الحزن ترى أن الموت أهون عليها من الوقوع فيها، وهذا دليل على مقام صبرها وصدقها في تلقي البلاء والإختبار [1] .
واختلف في المنادي الذي ناداها في قوله - سبحانه وتعالى: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} المعبر عنه في إحدى القراءتين [2] بالضمير المستتر وفي الثانية بالأسم الموصول بناءً على عد (من) حرف جر في الأولى واسمًا موصولًا في الثانية [3] . إذ ذهب ابن عباس وعمر ابن ميمون الأودي والضحاك وقتادة والسدي إلى أنَّ المنادي هو جبريل - عليه السلام - وأصحاب هذا القول يرون أنّ سيدنا عيسى - عليه السلام - لم يتكلم قط حتى أتت مريم - عليه السلام - به قومها [4] ، وذهب أُبَيْ ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير إلى أنَّ المنادي هو سيدنا عيسى - عليه السلام - [5] ، وممن اختار هذا الرأي من المفسرين الطبري [6] ، وأبو حيان [7] ، والشنقيطي، إذ قال الأخير:"أظهر القولين عندي أن الذي ناداها هو ابنها عيسى وتدل على ذلك قرينتان، الأولى: أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور إلاّ بدليل صارف عن ذلك يجب الرجوع إليه، وأقرب مذكور في الآية هو عيسى لا جبريل، لأن الله قال: (فحملته) يعني عيسى (فانتبذت به) أيّ بعيسى، ثم قال بعده (فناداها) فالذي يظهر ويتبادر من السياق أنه عيسى، والقرينة الثانية: أنها لمّا جاءت به قومها تحمله وقالوا لها ما قالوا أشارت إلى عيسى ليكلموه، كما قال - سبحانه وتعالى - عنها: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّم ُمَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم: 29] وإشارتها إليه ليكلموه قرينةً على أنها عرفت قبل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة لندائه لها عندما وضعته" [8] .
(1) ينظر: التحرير والتنوير 16/ 85.
(2) ينظر: معاني القرآن للفراء 2/ 165، والسبعة فقي القراءات / 408 ـ 409، واعراب القرآن
للنحاس 2/ 309، إذ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكسر: (مَنْ)
بفتح الميم. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم (مِنْ) بكسر الميم.
(3) ينظر: أضواء البيان 4/ 245.
(4) ينظر: جامع البيان 16/ 80 ـ 81.
(5) م. ن.
(6) م. ن: 16/ 82.
(7) البحر المحيط 7/ 253.
(8) أضواء البيان 4/ 246.