واختلف في معنى قوله (طهرا) إذ فسّره السدي بالبناء والتأسيس على طهارة [1] ، وفسّره مجاهد ومقاتل بإزالة الأوثان، وذكرا أن البيت الحرام كان عامرًا على عهد سيدنا نوح - عليه السلام - وكانت فيه أصنام على أشكال صالحيهم عبدوها من دون الله فأمر الله - سبحانه وتعالى - نبيه ابراهيم وابنه (عليهما السلام) بتطهيره منها [2] .
والذي يبدو للباحث أن علة إطلاق دلالة التطهير في الآية وعدم حصره بمدلول معين هو التوسع في معناه ليشمل المعنيين السابقين ومعانٍ أخرى أشار اليها الزمخشري [3] ، وابن عاشور [4] ، تمثلت بطواف الجنب والحائض والأعمال الأخرى المنافية للمروءة، ومما ينبغي التنبيه عليه أن صيغة الأمر المتمثلة بقوله (طهرا) تختلف دلالتها الزمنية بناءً على اختلاف المفسرين في معنى التطهير، فهي تدل على المستقبل القريب [5] إذا ما حمل معنى التطهير على البناء والتأسيس، وتدل على الحدث المستمر [6] ، إذا ما حمل التطهير على معنى إزالة الأوثان والأنجاس والقاذورات من البيت الحرام.
ويلحظ مجيء الطائف والعاكف بصيغة جمع السلامة والراكع والساجد بصيغة جمع التكسير، وما ذاك إلاّ ضرب من التفنن في الكلام وبعدٌ عن تكرير الصيغ [7] ، كما أن جمع السلامة أقرب إلى لفظ الفعل من جمع التكسير [8] ، فهو بمنزلة يطوفون أي: يجددون الطواف، ولعل في ذلك اشعارًا بعلة تطهير البيت الحرام [9] ، إذ أن الطواف والعكوف متعلقان بالبيت الحرام أداءًا بخلاف الركوع والسجود، إذ لا يلزم ادائهما بالبيت الحرام، ولذا لم يجمعا جمع سلامة.
الموضع الثاني:
(1) ينظر: جامع البيان 1/ 622، والجامع لأحكام القرآن 2/ 78.
(2) ينظر: البحر المحيط 1/ 611.
(3) الكشاف 1/ 310.
(4) التحرير والتنوير 1/ 712.
(5) ينظر: الزمن في القرآن الكريم / 130.
(6) م. ن / 132.
(7) ينظر: التحرير والتنوير 1/ 712.
(8) ينظر: معاني الأبنية / 144.
(9) ينظر: التحرير والتنوير 1/ 712.