الموضع الثالث:
ويتمثل بقوله - سبحانه وتعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ - شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ٍ - وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ - ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120 ـ 123] .
وردت هذه الآيات في بيان فضائل سيدنا إبراهيم - عليه السلام -، وإن أعظم هذه الفضائل اتباع سيد الكائنات - صلى الله عليه وسلم - لملته [1] .
و (أنْ) في قوله (أنِ اتبع) تفسيرية لما في الإيحاء من معنى القول، وقد ذهب إلى ذلك أبو حيان [2] ، والآلوسي [3] ، ومن المحدثين ابن عاشور [4] ، ومحمود الصافي [5] .
ويلحظ أن (ثم) في قوله - سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} تفيد الترتيب الرتبي المشير إلى أن مضمون الجملة المعطوفة متباعد في رتبة الرفعة عن مضمون ما قبلها وفي ذلك من التنويه الجليل ما فيه بشأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وبشريعة الإسلام وبسيدنا ابراهيم - عليه السلام - [6] . ...
واختلف في ماهية الاتباع في قوله - سبحانه وتعالى: {اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} إذ من المعلوم أن الملة اسم لِما شَرَّعَهُ الله - سبحانه وتعالى - لعباده على لسان الأنبياء (عليهم السلام) ، مشتق من قولهم أمللت الكتاب إذا امليته [7] ، قال أبو السعود:"إنَّ الوضع الإلهي مهما نسب إلى من يؤديه عن الله تعالى يسمى ملة، ومهما نسب إلى من يقيمه يسمى دينًا" [8] ، وذهب الراغب إلى أن الفرق بينهما هو أن الملة لا تضاف إلاّ إلى النبي، ولا تكاد توجد مضافة إلى الله - سبحانه وتعالى -، ولا إلى آحاد الأمة، ولا تستعمل إلاّ في حَمَلَة الشرائع دون آحادها، إذ لا يقال ملة الله ولا يقال ملة زيد، بل يقال دين الله ودين زيد [9] ، فعن
(1) ينظر: التفسير الكبير 20/ 124.
(2) البحر المحيط 6/ 610.
(3) روح المعاني 14/ 252.
(4) التحرير والتنوير 14/ 318.
(5) الجدول 14/ 412.
(6) ينظر: التحرير والتنوير 14/ 318.
(7) ينظر: المفردات في غريب القرآن / 471 ـ 472.
(8) ارشاد العقل السليم 4/ 102.
(9) ينظر: المفردات في غريب القرآن / 472.