قتادة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بإتباع ملّة ابراهيم - عليه السلام - إلاّ ما أمر بتركه [1] ، وذهب عمرو بن العاص إلى أن المراد بالإتباع هنا هو اتباعٌ في مناسك الحج [2] ، وذكر القرطبي أن الصحيح هو الاتباع في عقائد الشرع دون الفروع العملية [3] ، لقوله - سبحانه وتعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] .
وذهب آخرون إلى أنه اتباع في التبري من الأوثان [4] ، وقال قوم كان على شريعة ابراهيم وليس له شرعٌ ينفرد به، وإنما المقصود من بعثته إحياء شرع ابراهيم - عليه السلام - [5] ، وقد وصف الرازي هذا القول بالضعف [6] ، لأن الله - سبحانه وتعالى - وصف إبراهيم بأنه ما كان من المشركين، فلمّا قال لنبيه اتبع ملة ابراهيم علم أن المراد هو ذلك الوصف، فإن قيل إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد بناءً على الدلائل القطعية، وإذا كان كذلك لم يكن متابعًا له فيمتنع حمل قوله (أن اتبع) على هذا المعنى ووجب حمله على الشرائع التي يصح حصول المتابعة فيها قلنا يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى على ما هو مألوف في القرآن [7] ، وقد عقّب أبو حيان على هذا الكلام بقوله:"ولا يحتاج إلى هذا لأن المعتقد الذي تقتضيه دلائل العقول لايمتنع أن يوحى لتضافر المعقول والمنقول على اعتقاده، ألا ترى إلى قوله - سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الأنبياء: 108] فليس اعتقاد الوحدانية بمجرد الوحي فقط" [8] .
ومما ينبغي ايضاحه أن صيغة الأمر في قوله - سبحانه وتعالى: {اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} قد دلّت على مواصلة الحدث واستمراره [9] ، فقوله (اتبع) أمر من الله - سبحانه وتعالى - يقتضي من النبي - صلى الله عليه وسلم - استمراره في متابعة سيدنا ابراهيم - عليه السلام - فيما صحَّ عنه من اعتقاد وتشريع في جميع الأزمنة وليس القصد من هذا الأمر المتابعة في زمن من دون آخر.
(1) ينظر: البحر المحيط 6/ 610.
(2) م. ن.
(3) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 10/ 130.
(4) ينظر: جامع البيان 14/ 229.
(5) ينظر: التفسير الكبير 20/ 109.
(6) م. ن.
(7) م. ن.
(8) البحر المحيط 6/ 611.
(9) ينظر: الزمن في القرآن الكريم / 132.