والوجه الآخر: إنّ حملها على المخففة يضطرنا إلى تقدير محذوفين، أولهما ـ حرف الجر الداخل على (ان) إذ تقدير الكلام على هذا الوجه (وَنُودُوا بأَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ) [1] ، والآخر ـ اسمها وهو ضمير شأن محذوف [2] ، والتقدير كما هو معلوم خلاف الأولى.
ويلحظ أن النداء في قوله (ونودوا) هو من لدن الله - سبحانه وتعالى - وقد بني الفعل للمجهول لظهور المقصود منه [3] ، وقيل من الملائكة [4] ، والأول أرجح لِما فيه من إعلاء لقدر الجمع المنادى ولِما فيه من أسْرٍ لقلوبهم [5] .
ومما تجدر الإشارة إليه أن الجملة الأسمية الكبرى المبدوءة بأسم الإشارة (تلكم) قد أخبرتنا عن حقيقة ثابتة مفادها دخول المؤمنين إلى الجنة نتيجة رحمة الله بهم، وكذلك لما قدّموه من أعمال صالحة، ولم نلمح فيها مظاهر التجدد والحدوث لأنها عبّرت عن حقيقة غير قابلة للتغير، وقد أشير إلى الجنة بـ (تلكم) الذي حقه أن يستعمل في المشار إليه البعيد مع أن الجنة حاضرة بين أيديهم بقصد رفعة شأنها وتعظيم المنة بها [6] ، أو لأنهم نودوا عند رؤيتهم إياها من مكان بعيد [7] ، أو للإشعار بأنها تلك الجنة التي وعدوها في الدنيا [8] ، والميراث المشار إليه في قوله (اورثتموها) مجاز عن الاعطاء، أي: اعطيتموها بما كنتم تعملون في الدنيا من الأعمال الصالحة [9] ، والباء في قوله (بما) للسبب المجازي إذ أن الأعمال إمارة من الله ودليل على قوة الرجاء [10] ، وأن دخول الجنة إنما هو برحمة الله والقسم فيها على قدر الأعمال [11] ، وليس الأمر كما زعم الزمخشري بأن دخول الجنة سببه العمل الصالح لا التفضل من الله - سبحانه وتعالى - [12] ، إذ قال
(1) ينظر: التبيان 1/ 569.
(2) ينظر: اعراب القرآن للنحاس 1/ 612، والتبيان 1/ 569.
(3) ينظر: التحرير والتنوير 8/ 134.
(4) ينظر: التفسير الكبير 14/ 67.
(5) ينظر: البحر المحيط 5/ 54.
(6) ينظر: التحرير والتنوير 8/ 134.
(7) ينظر: ارشاد العقل السليم 2/ 494.
(8) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 7/ 134.
(9) ينظر: البحر المحيط 5/ 55.
(10) ينظر: البحر المحيط 5/ 55.
(11) م. ن.
(12) ينظر: الكشاف 2/ 80.