الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( لن يُدخل أحدًا منكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ) ) [1] .
وقد يظن ظان أن هنالك تناقضًا بين الآية التي نحن بصددها وبين الحديث الشريف السابق من حيث المضمون، وقد أجاب الرازي عن ذلك بقوله:"أن العمل"
لا يوجب دخول الجنة لذاته، وإنما يوجبه لأجل أن الله تعالى بفضله جعله علامة عليه ومعرفة له، وأيضًا لما كان الموَفّي للعمل الصالح هو الله تعالى كان دخول الجنة في الحقيقة ليس إلاّ بفضل الله تعالى" [2] ."
الموضع الثاني:
ويتمثل بقوله - سبحانه وتعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .
إذ وردت هذه الآية في سياق بيان بعثة سيدنا يونس - عليه السلام - إلى أهل نينوى، وذنون لَقَبٌ لُقّبَ به لابتلاع النون اياه، والنون هو الحوت [3] . واختلف فيما أدى بسيدنا يونس - عليه السلام - إلى المغاضبة المشار إليها بقوله - سبحانه وتعالى: {إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} ، فذهب الشعبي، وسعيد ابن جبير، والطبري [4] ، والنحاس [5] ، والقرطبي [6] ، إلى أنه غضب بسبب كفر أهل نينوى بعد أن دعاهم مرارًا للإيمان، فغضبه من أجل ربه والمؤمن يغضب إذا ما عُصِىِ ربُه، في حين ذهب ابن مسعود وآخرون إلى أنه غضب بسبب رفع الله - سبحانه وتعالى - العذاب عنهم لمّا توعدهم به في وقت أوحى الله - جل جلاله - له به [7] ، وذهب الحسن إلى أن سبب المغاضبة هو أنّ الله - سبحانه وتعالى - لمّا أمره بالمسير إلى قومه سأل أن يُنظر ليتأهب فأعجله الله حتى سأل أن يأخذ نعلًا ليلبسها فلم يُنظر فخرج مغاضبًا جراء ذلك [8] ، وهذا بعيد، والله أعلم.
(1) صحيح مسلم 4/ 2169 (باب لن يدخل أحد الجنة) ، ومجمع الزوائد 10/ 357.
(2) التفسير الكبير 14/ 68.
(3) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 11/ 217.
(4) جامع البيان 17/ 91، والجامع لأحكام القرآن 11/ 218.
(5) اعراب القرآن، للنحاس 2/ 379.
(6) الجامع لأحكام القرآن 11/ 218.
(7) الجامع لأحكام القرآن 11/ 218.
(8) ينظر: جامع البيان 17/ 92.