نزول القرآن منجمًا، وقد أفادت صياغة الجملة بهذا الأسلوب اظهار كمال العناية والاهتمام بالمفعول به من لدن الفاعل [1] "ليكون حفظه أسهل، ولتكون الاحاطة والوقوف على دقائقه وحقائقه أسهل" [2] .
ويلحظ أن الخطاب فيها للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد فسرت جملة الاشتغال (فرقناه) جملة محذوفة تقديرها (فرقنا) وقد عمل فعلها في الاسم المشغول عنه نصبًا [3] ، وتقدير الكلام (وفرقنا قرآنًا فرقناه) ، كما أنها أفادت فضلًا عن التفسير توكيد مضمون الجملة المحذوفة نتيجة التكرار الجملي الحاصل في السياق [4] .
واختلف في معنى الفرق في الآية إذ ذهب بعضهم إلى أن المراد به هو تنزيل القرآن مفرقًا على حسب الحوادث، ويؤيد ذلك ما روى عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: لم ينزل في يومين أو ثلاثة، بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة [5] ، في حين ذهب آخرون إلى أن معناه هو بيان حلاله وحرامه [6] .
ثانيًا: الجملة المضارعة:
وردت الجملة المفسرة في باب الاشتغال مضارعة في مواضع عديدة [7] ، من النص القرآني، وتعد من حيث الكثرة بالمرتبة الثانية بعد الماضية ورودًا في كتاب الله - سبحانه وتعالى -، ومن ذلك قوله - سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [الأنعام: 36]
إذ وردت هذه الآية في سياق تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عمّا ألمّ به من حزن جراء إعراض المشركين عن الإيمان بدعوته [8] ، وقد فسّرت جملة الاشتغال المضارعة
(1) ينظر: تعاقب الظاهر والمضمر في القرآن الكريم (رسالة ماجستير) / 177.
(2) التفسير الكبير 21/ 57.
(3) ينظر: مشكل اعراب القرآن 1/ 435، والتبيان 2/ 835.
(4) ينظر: في التحليل اللغوي / 262.
(5) ينظر: الكشاف 2/ 469.
(6) ينظر: حاشية الجمل 2/ 654.
(7) ينظر على سبيل المثال السور: النساء / 122، الأنعام / 16، 36، ابراهيم / 28، القمر / 24.
(8) ينظر: المحرر الوجيز / 618 ـ 619.