"وفى قوله تعالى: « وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا » ـ دعوة خاصة إلى النبي الكريم ، أن يتهجّد بالقرآن .. إلى جانب إقامة الصلاة المفروضة .. وقد كانت تلاوة القرآن هى عبادة النبىّ في أول الدعوة ، حيث جاء أمر اللّه سبحانه وتعالى إليه بقوله: « يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا .. » فلما فرضت الصلاة ، ظلت تلاوة القرآن فريضة واجبة على النبىّ ، مندوبة ، للمؤمنين .."
والتهجّد: اليقظة بالليل بعد النوم ..
ومن الليل: أي من بعض الليل ، لا كلّه .. فحرف الجرّ « من » للتبعيض.
والنافلة: الزيادة ، على المطلوب ..
فالنبىّ - صلى الله عليه وسلم - ، مطالب في هذا ، بما لم تطالب به أمته ، وهو أن يقوم من الليل ، بعد أن ينزع عنه لباس النوم ، وأن يصحب القرآن معه ،يصلّى به ما شاء اللّه له أن يصلّى .. وذلك واجب عليه هو ، مندوب لأمّته ..
ـ وفى قوله تعالى: « عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا » شرح لصدر النبىّ ، وإغراء له بهذا التهجّد الذي تحمل فيه النفس ما تحمل من عناء ومشقة ، فذلك قليل في سبيل مرضاة اللّه سبحانه ، والقرب منه ، والفوز بالمقام المحمود عنده ..
والمقام المحمود ، هو مجمع المحامد كلّها ، حيث لا يناله إلا من جمع المحامد جميعها ..
وفى التعبير عن الرفع إلى المقام المحمود ، وإحلال النبىّ به ـ في التعبير عنه بالبعث ، إشعار بأنّ هذا المقام هو مرتبة لن تصل إليها البشرية ، إذ لم تؤهلها لها طبيعتها .. فالإنسان الذي ينال هذا المقام كأنما خلق خلقا جديدا. وانسلخ انسلاخا يكاد يكون تامّا عن طبيعة البشر ..! وهذا هو سرّ من أسرار تصدير هذا الوعد الكريم من ربّ العالمين بفعل الرجاء « عسى » ليظل النبي ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ متطلعا إلى هذا المقام ، طامعا فيه ، راجيا أن يبلغه .. وقد بلغه ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ كما أخبر اللّه سبحانه وتعالى بقوله: « وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » ولا يتحقق رضاه ـ صلوات اللّه وسلامه