دُونَ ذَلِكَ إِلاَّ إِنْ قَارَنَهَا قَصْدُ الإِْعْرَاضِ عَنْهَا جُمْلَةً ، وَالرَّغْبَةُ عَنْ فِعْلِهَا ، وَلاَ سِيَّمَا إِنْ وَقَعَ الْعَمَل فِي عَكْسِهَا كَأَنْ يُرِيدَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا ، فَصَرَفَهُ بِعَيْنِهِ فِي مَعْصِيَةٍ ، فَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الأَْخِيرِ أَنْ لاَ تُكْتَبَ لَهُ حَسَنَةٌ أَصْلًا ، وَأَمَّا مَا قَبْلَهُ فَعَلَى الاِحْتِمَال [1] .
ب - حُكْمُ الْهَمِّ بِالسَّيِّئَةِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً ، إِذَا كَانَ قَدْ تَرَكَهَا لأَِجْل اللَّهِ تَعَالَى ، لِقَوْل النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً ، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً [2] .
وَهَل يُثَابُ التَّارِكُ عَنِ السَّيِّئَةِ الَّتِي هَمَّ بِهَا بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ أَمْ بِشَرْطِ أَنْ يَتْرُكَهَا لِمَخَافَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ .
فَقَال بَعْضُهُمْ: يُثَابُ عَلَيْهِ لِمُجَرَّدِ تَرْكِ مَا هَمَّ بِهِ مِنَ السَّيِّئَةِ ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِخَوْفٍ مِنَ اللَّهِ أَوْ لِخَوْفٍ مِنَ النَّاسِ ، أَوْ لِعَجْزٍ عَنِ الإِْتْيَانِ بِهِ لِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ ، كَمَنْ يَمْشِي مَثَلًا إِلَى امْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا ، فَيَجِدُ الْبَابَ مُغْلَقًا وَيَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ فَتْحُهُ ، وَمِثْلُهُ مَنْ تَمَكَّنَ مِنَ الزِّنَا فَلَمْ يَنْتَشِرْ ، أَوْ طَرَقَهُ مَا يَخَافُ مِنْ أَذَاهُ عَاجِلًا ، وَذَلِكَ لِظَاهِرِ الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَل فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً . . . الْحَدِيثَ" [3] "
قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ:"حَسَنَةً كَامِلَةً"الْمُرَادُ بِالْكَمَال عِظَمُ الْقَدْرِ ، لاَ التَّضْعِيفُ إِلَى الْعَشَرَةِ ، وَظَاهِرُ الإِْطْلاَقِ كِتَابَةُ الْحَسَنَةِ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ ، وَلأَِنَّ تَرْكَ الْمَعْصِيَةِ كَفٌّ عَنِ الشَّرِّ وَالْكَفُّ عَنِ الشَّرِّ خَيْرٌ [4] ، لِقَوْل النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -::« عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ
(1) - فَتْح الْبَارِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِيّ ( 11 / 324 ، 325 ) ، وانظر صَحِيح ابْن حِبَّانَ ( 2 / 107 - الإِْحْسَان - ط الرِّسَالَة ) .
(2) - فَتْح الْبَارِي 11 / 323 ، 329 ، وشرح صَحِيح مُسْلِم لِلنَّوَوِيِّ 2 / 128 ، وشرح الأَْرْبَعِينَ النَّوَوِيَّة ص 61 .
(3) - سَبَقَ تَخْرِيجه
(4) - فَتْح الْبَارِي 11 / 323 ، 329 ، وشرح صَحِيح مُسْلِم لِلنَّوَوِيِّ 2 / 128 ، وشرح الأَْرْبَعِينَ النَّوَوِيَّة ص 61 .