وَكَانَ هَذَا التَّأْوِيلُ أَيْضًا عِنْدَنَا فَاسِدًا، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِنَّمَا قَالَ مَا قَالَ عَلَى أَنَّهُمْ لَوْ مَنَعُوهُ قَلِيلًا مِمَّا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الصَّدَقَةِ كُلِّهَا، وَلَمْ نَجِدْ فِي تَأْوِيلِ الْعِقَالِ قَوْلًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ غَيْرَ شَيْءٍ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: الْمُصَدِّقُ إِذَا أَخَذَ مِنَ الصَّدَقَةِ غَيْرَ مَا فِيهَا، قِيلَ: أَخَذَ عِقَالًا، وَإِذَا أَخَذَ ثَمَنًا، قِيلَ: أَخَذَهُ نَقْدًا، وَأَنْشَدَ:
فَأَمَّا أَبُو الْخَطَّابِ يَضْرِبُ طَبْلَهُ ... قَرِينٌ وَلَا يَأْخُذْ عِقَالًا وَلَا نَقْدًا
وَكَانَ الْأَوْلَى بِهَذَا الْحَدِيثِ هُوَ: الْعَنَاقُ، لَا: الْعِقَالُ، وَفِي ذَلِكَ بَابٌ مِنَ الْفِقْهِ يَجِبُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ . وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَخْتَلِفُونَ فِي الْغَنَمِ إِذَا كَانَتْ سَوَائِمَ فَضْلٍ، لَا مُسِنَّةَ فِيهَا، فَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَقُولُ: لَا شَيْءَ فِيهَا، وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَقُولُ: فِيهَا وَاحِدٌ مِنْهَا، وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلُ كُلُّهَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِرُجُوعِهِ مِنْ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، قَالَ: فَإِنَّ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ مِنْهَا: إِنَّ فِيهَا مُسِنَّةً . وَكَانَ زُفَرُ قَدْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ وَثَبَتْ عَلَيْهِ، كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَلْمَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُفَرَ . وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ بِقَوْلِهِ: فِيهَا وَاحِدٌ مِنْهَا . كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: إِنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهَا . كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ . وَكَانَ الْأَوْلَى مِنْ أَقَاوِيلِهِ هَذِهِ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْبَابِ مَا قَدْ وَافَقَهُ أَبُو يُوسُفَ عَلَيْهِ لِإِخْبَارِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ النَّاسَ أَنَّهُمْ لَوْ مَنَعُوهُ عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الصَّدَقَةِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَا لَا مُسِنَّةَ فِيهِ، وَفِي ثُبُوتِ مَا قَدْ قَالَ أَهْلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ" [1] "
قَالَ الْخَطَّابِيُّ - رَحِمَهُ اللَّه - فِي شَرْح هَذَا الْكَلَام كَلَامًا حَسَنًا لَا بُدّ مِنْ ذِكْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَوَائِد . قَالَ رَحِمَهُ اللَّه: مِمَّا يَجِب تَقْدِيمه فِي هَذَا أَنْ يُعْلَم أَنَّ أَهْل الرِّدَّة كَانُوا صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ اِرْتَدُّوا عَنْ الدِّين وَنَابَذُوا الْمِلَّة وَعَادُوا إِلَى الْكُفْر وَهُمْ الَّذِينَ عَنَاهُمْ أَبُو هُرَيْرَة بِقَوْلِهِ: وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَب . وَهَذِهِ الْفِرْقَة طَائِفَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَصْحَاب
(1) - شرح مشكل الآثار - (15 / 82) (5851 -5861 )