غَايَة اللَّطَافَة وَالِاعْتِدَال لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَذًى وَلَا فَضْلَة تُسْتَقْذَر ، بَلْ يَتَوَلَّد عَنْ تِلْكَ الْأَغْذِيَة أَطْيَب رِيح وَأَحْسَنه .
قَوْلُهُ: ( آنِيَتهمْ فِيهَا الذَّهَب ) زَادَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة"وَالْفِضَّة"وَقَالَ فِي الْأَمْشَاط عَكْس ذَلِكَ ، وَكَأَنَّهُ اِكْتَفَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِذِكْرِ أَحَدهمَا عَنْ الْآخَر فَإِنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الصِّنْفَانِ لِكُلٍّ مِنْهُمْ ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَحَد الصِّنْفَيْنِ لِبَعْضِهِمْ وَالْآخَر لِلْبَعْضِ الْآخَر ، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا"جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبَ آنِيَتهمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّة آنِيَتهمَا وَمَا فِيهِمَا"الْحَدِيث مُتَّفَق عَلَيْهِ ، وَيُؤَيِّد الْأَوَّل مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا إِنَّ أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة دَرَجَة لَمَنْ يَقُوم عَلَى رَأْسه عَشَرَة آلَاف خَادِم بِيَدِ كُلّ وَاحِد صَحْفَتَانِ وَاحِدَة مِنْ ذَهَبَ وَالْأُخْرَى مِنْ فِضَّة الْحَدِيث .
قَوْلُهُ: ( وَمَجَامِرهمْ الْأَلُوَّة ) الْأَلُوَّة الْعُود الَّذِي يُبَخَّر بِهِ ، قِيلَ جُعِلَتْ مَجَامِرهمْ نَفْس الْعُود ، لَكِنْ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة"وَوُقُود مَجَامِرهمْ الْأَلُوَّة"فَعَلَى هَذَا فِي رِوَايَة الْبَاب تَجَوُّز ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الصَّغَانِيِّ بَعْد قَوْله الْأَلُوَّة . قَالَ أَبُو الْيَمَان يَعْنِي الْعُود"وَالْمَجَامِر جَمْع مِجْمَرَة وَهِيَ الْمِبْخَرَة سُمِّيَتْ مِجْمَرَة لِأَنَّهَا يُوضَع فِيهَا الْجَمْر لِيَفُوحَ بِهِ مَا يُوضَع فِيهَا مِنْ الْبَخُور ، وَالْأَلُوَّة بِفَتْح الْهَمْزَة وَيَجُوز ضَمّهَا وَبِضَمِّ اللَّام وَتَشْدِيد الْوَاو وَحَكَى اِبْن التِّين كَسْر الْهَمْزَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَالْهَمْزَة أَصْلِيَّة وَقِيلَ زَائِدَة ، قَالَ الْأَصْمَعِيّ أَرَاهَا فَارِسِيَّة عُرِّبَتْ . وَقَدْ يُقَال إِنَّ رَائِحَة الْعُود إِنَّمَا تَفُوح بِوَضْعِهِ فِي النَّار وَالْجَنَّة لَا نَار فِيهَا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بَعْد تَخْرِيج الْحَدِيث الْمَذْكُور: يُنْظَر هَلْ فِي الْجَنَّة نَار ؟ وَيُجَاب بِاحْتِمَالِ أَنْ يَشْتَعِل بِغَيْرِ نَار بَلْ بِقَوْلِهِ: كُنْ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مِجْمَرَة بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ فِي الْأَصْل ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَشْتَعِل بِنَارٍ لَا ضَرَر فِيهَا وَلَا إِحْرَاق ، أَوْ يَفُوح بِغَيْرِ اِشْتِعَال ، وَنَحْو ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود مَرْفُوعًا"إِنَّ الرَّجُل فِي الْجَنَّة لَيَشْتَهِي الطَّيْر فَيَخِرّ بَيْن يَدَيْهِ مَشْوِيًّا"وَفِيهِ الِاحْتِمَالَات الْمَذْكُورَة ، وَفْد ذَكَرَ نَحْو ذَلِكَ اِبْن الْقَيِّم فِي الْبَاب الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ"حَادِي الْأَرْوَاح"وَزَادَ فِي الطَّيْر أَوْ يُشْوَى خَارِج الْجَنَّة أَوْ بِأَسْبَابٍ قُدِّرَتْ لِإِنْضَاجِهِ وَلَا تَتَعَيَّن النَّار ، قَالَ: وَقَرِيب مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ( هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ) وَهِيَ لَا شَمْس فِيهَا ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَدْ يُقَال"