زَوْجَتَانِ ، وَقَدْ أَجَابَ بَعْضهمْ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون التَّثْنِيَة تَنْظِيرًا لِقَوْلِهِ جَنَّتَانِ وَعَيْنَانِ وَنَحْو ذَلِكَ ، أَوْ الْمُرَاد تَثْنِيَة التَّكْثِير وَالتَّعْظِيم نَحْو لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ . وَاسْتَدَلَّ أَبُو هُرَيْرَة بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ النِّسَاء فِي الْجَنَّة أَكْثَر مِنْ الرِّجَال كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن سِيرِينَ عَنْهُ ، وَهُوَ وَاضِح لَكِنْ يُعَارِضهُ قَوْله - صلى الله عليه وسلم - فِي حَدِيث الْكُسُوف الْمُتَقَدِّم"رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَر أَهْل النَّار"وَيُجَاب بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ أَكْثَرِيَّتهنَّ فِي النَّار نَفْي أَكْثَرِيَّتهنَّ فِي الْجَنَّة ، لَكِنْ يَشْكُل عَلَى ذَلِكَ قَوْله - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَدِيث الْآخَر اِطَّلَعْت فِي الْجَنَّة فَرَأَيْت أَقَلّ سَاكِنهَا النِّسَاء ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الرَّاوِي رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ مِنْ أَنَّ كَوْنهنَّ أَكْثَر سَاكِنِي النَّار يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُنَّ أَقَلّ سَاكِنِي الْجَنَّة ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِم لِمَا قَدَّمْته ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي أَوَّل الْأَمْر قَبْل خُرُوج الْعُصَاة مِنْ النَّار بِالشَّفَاعَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْلُهُ: ( مُخّ سُوقهمَا مِنْ وَرَاء اللَّحْم ) فِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة"وَالْعَظْم"، وَالْمُخّ بِضَمِّ الْمِيم وَتَشْدِيد الْمُعْجَمَة مَا فِي دَاخِل الْعَظْم ، وَالْمُرَاد بِهِ وَصْفهَا بِالصَّفَاءِ الْبَالِغ وَأَنَّ مَا فِي دَاخِل الْعَظْم لَا يَسْتَتِر بِالْعَظْمِ وَاللَّحْم وَالْجِلْد . وَوَقَعَ عِنْد التِّرْمِذِيّ"لَيُرَى بَيَاض سَاقهَا مِنْ وَرَاء سَبْعِينَ حُلَّة حَتَّى يُرَى مُخّهَا"وَنَحْوه لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيث أَبُو سَعِيد وَزَادَ"يَنْظُر وَجْهه فِي خَدّهَا أَصْفَى مِنْ الْمِرْآة".قَوْلُهُ: ( قَلْب وَاحِد ) فِي رِوَايَة الْأَكْثَر بِالْإِضَافَةِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِي بِالتَّنْوِينِ"قَلْب وَاحِد"وَهُوَ مِنْ التَّشْبِيه الَّذِي حُذِفَتْ أَدَاته أَيْ كَقَلْبِ رَجُل وَاحِد ، وَقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ:"لَا تَحَاسُد بَيْنهمْ وَلَا اِخْتِلَاف"أَيْ أَنَّ قُلُوبهمْ طَهُرَتْ عَنْ مَذْمُوم الْأَخْلَاق
قَوْلُهُ: ( يُسَبِّحُونَ اللَّه بُكْرَة وَعَشِيًّا ) أَيْ قَدْرهمَا ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا التَّسْبِيح لَيْسَ عَنْ تَكْلِيف وَإِلْزَام ، وَقَدْ فَسَّرَهُ جَابِر فِي حَدِيثه عِنْد مُسْلِم بِقَوْلِهِ:"يُلْهَمُونَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير كَمَا يُلْهَمُون النَّفَس"وَوَجْه التَّشْبِيه أَنَّ تَنَفُّس الْإِنْسَان لَا كُلْفَة عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا بُدّ لَهُ مِنْهُ ، فَجَعَلَ تَنَفُّسهمْ تَسْبِيحًا ، وَسَبَبه أَنَّ قُلُوبهمْ تَنَوَّرَتْ بِمَعْرِفَةِ الرَّبّ سُبْحَانه وَامْتَلَأَتْ بِحُبِّهِ ، وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْره . وَقَدْ وَقَعَ فِي خَبَر ضَعِيف"إِنَّ تَحْت الْعَرْش سِتَارَة مُعَلَّقَة فِيهِ ثُمَّ تُطْوَى ، فَإِذَا نُشِرَتْ كَانَتْ عَلَامَة الْبُكُور ، وَإِذَا طُوِيَتْ كَانَتْ عَلَامَة الْعَشِيّ". [1]
ــــــــــــــــ
(1) - فتح الباري لابن حجر - (10 / 30) (3006 )