تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكَ لَكُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ" [1] ."
قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: ( وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ) مَعْنَاهُ لَا يَكْمُل إِيمَانكُمْ وَلَا يَصْلُح حَالُكُمْ فِي الْإِيمَان إِلَّا بِالتَّحَابِّ .
وَأَمَّا قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: ( لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّة حَتَّى تُؤْمِنُوا ) فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِطْلَاقِهِ فَلَا يَدْخُل الْجَنَّةِ إِلَّا مَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَامِل الْإِيمَان ، فَهَذَا هُوَ الظَّاهِر مِنْ الْحَدِيث .
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه . مَعْنَى الْحَدِيث لَا يَكْمُل إِيمَانُكُمْ إِلَّا بِالتَّحَابِّ . وَلَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّة عِنْدَ دُخُول أَهْلهَا إِذَا لَمْ تَكُونُوا كَذَلِكَ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمَل . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله: ( أَفْشُوا السَّلَام بَيْنكُمْ ) فَهُوَ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةِ . وَفِيهِ الْحَثُّ الْعَظِيمُ عَلَى إِفْشَاء السَّلَام وَبَذْله لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ ؛ مَنْ عَرَفْت ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِف ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث الْآخَر . وَالسَّلَامُ أَوَّل أَسْبَاب التَّأَلُّف ، وَمِفْتَاح اِسْتِجْلَاب الْمَوَدَّة . وَفِي إِفْشَائِهِ تَمَكَّنُ أُلْفَة الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ لِبَعْضِ ، وَإِظْهَار شِعَارهمْ الْمُمَيِّز لَهُمْ مِنْ غَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْمِلَل ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ رِيَاضَة النَّفْس ، وَلُزُوم التَّوَاضُع ، وَإِعْظَام حُرُمَات الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّه فِي صَحِيحه عَنْ عَمَّار بْن يَاسِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَان: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسك ، وَبَذْل السَّلَام لِلْعَالَمِ ، وَالْإِنْفَاق مِنْ الْإِقْتَار . رَوَى غَيْر الْبُخَارِيِّ هَذَا الْكَلَام مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - . وَبَذْل السَّلَام لِلْعَالَمِ ، وَالسَّلَام عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِف ، وَإِفْشَاء السَّلَام كُلّهَا بِمَعْنَى وَاحِد . وَفِيهَا لَطِيفَة أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهَا تَتَضَمَّنُ رَفْع التَّقَاطُع وَالتَّهَاجُر وَالشَّحْنَاء وَفَسَاد ذَات الْبَيْن الَّتِي هِيَ الْحَالِقَة ، وَأَنَّ سَلَامه لِلَّهِ لَا يَتْبَع فِيهِ هَوَاهُ ، وَلَا يَخُصّ أَصْحَابه وَأَحْبَابه بِهِ . وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ . [2]
(1) - سنن الترمذى- المكنز - (2699 ) و شعب الإيمان - (11 / 182) (8373 ) صحيح لغيره
(2) - شرح النووي على مسلم - (1 / 143)