قوله: لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ؛ كذا صحَّت الروايةُ هنا: وَلاَ تُؤْمِنُوا ؛ بإسقاطِ النون ، والصوابُ: إثباتها كما قد وقع في بعض النسخ ؛ لأنَّ لا نَفْيٌ لا نهْيٌ ؛ فلزم إثباتها.
والإيمانُ المذكورُ أوَّلًا هو: التصديقُ الشرعيُّ المذكورُ في حديث جبريل ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ، والإيمانُ المذكور ثانيًا هو: الإيمانُ العمليُّ المذكورُ في قوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: الإيمانُ بِضْعٌ وسبعون بابًا ، ولو كان الثاني هو الأوَّلَ ، لَلَزِمَ منه ألاَّ يدخلَ الجَنَّةَ مَنْ أبغَضَ أحدًا من المؤمنين ، وذلك باطلٌ قطعًا ؛ فتعيَّنَ التأويلُ الذي ذكرناه.
وإِفْشَاءُ السَّلاَمِ إظهارُهُ وإشاعته ، وإقراؤُهُ على المعروفِ وغيرِ المعروف.
ومعنى قولِهِ: لاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أي: لا يكمُلُ إيمانكم ولا يكونُ حالُكم حالَ مَنْ كَمُلَ إيمانُهُ ؛ حتى تُفْشُوا السلامَ الجالبَ للمحبَّة الدينيَّة ، والألفةِ الشرعيَّة. [1]
قوله: [ (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة) ] . هذا ليس نهيًا وإنما هو إخبار، والأصل أن تكون النون موجودة فيقول: (لا تدخلون الجنة) لأن (لا) هذه ليست ناهية، فيكون هذا من قبيل الخبر الذي هو بمعنى النهي، كما يأتي عكسه وهو أن يكون النهي بمعنى الخبر مثل: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ [البقرة:197] يعني: فلا يرفث ولا يفسق؛ لأنه خبر بمعنى النهي. والحديث يدلنا على فضل إفشاء السلام، وعظم شأنه، وأنه من أسباب المحبة، وفيه الدعاء للمسلمين بعضهم لبعض. وقد سبق أن مر بنا الحديث الذي فيه أن سعد بن عبادة رضي الله عنه لم يرد على الرسول - صلى الله عليه وسلم - جهرًا، يريد أن يكثر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من السلام عليه، لأنه دعاء. [2]
وفي فتاوى الإسلام سؤال وجواب:
"كان من عادة الناس الجارية بينهم أن يحيي بعضهم بعضًا بتحيات فيما بينهم وكان لكل طائفة منهم تحية تخصهم عن غيرهم من الناس ."
(1) - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (2 / 8)
(2) - شرح سنن أبي داود ـ عبد المحسن العباد - (29 / 282)