وَلَوْ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ الْكَافِرَانِ عَنِ الْخُرُوجِ لِلْجِهَادِ الْكِفَائِيِّ ، مَخَافَةً عَلَيْهِ ، وَمَشَقَّةً لَهُمَا بِخُرُوجِهِ وَتَرْكِهِمَا ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لَهُمَا ذَلِكَ ، وَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا بِرًّا بِهِمَا وَطَاعَةً لَهُمَا ، إِلاَّ إِذَا كَانَ مَنْعُهُمَا لَهُ لِكَرَاهَةِ قِتَال أَهْل دِينِهِمَا ، فَإِنَّهُ لاَ يُطِيعُهُمَا وَيَخْرُجُ لَهُ [1] .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ لِلْجِهَادِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا ؛ لأَِنَّهُمَا مُتَّهَمَانِ فِي الدِّينِ ، إِلاَّ بِقَرِينَةٍ تُفِيدُ الشَّفَقَةَ وَنَحْوَهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ . وَقَال الثَّوْرِيُّ: لاَ يَغْزُو إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا إِذَا كَانَ الْجِهَادُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ . أَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ لِحُضُورِ الصَّفِّ ، أَوْ حَصْرِ الْعَدُوِّ ، أَوِ اسْتِنْفَارِ الإِْمَامِ لَهُ بِإِعْلاَنِ النَّفِيرِ الْعَامِّ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الإِْذْنُ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا ؛ إِذْ أَصْبَحَ وَاجِبًا عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ ؛ لِصَيْرُورَتِهِ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْجَمِيعِ [2] .
التَّعَارُضُ بَيْنَ بِرِّ الأَْبِ وَبِرِّ الأُْمِّ:
لَمَّا كَانَ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الأَْوْلاَدِ عَظِيمًا ، فَقَدْ نَزَل بِهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ ، وَوَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ ، وَيَقْضِي ذَلِكَ بِلُزُومِ بِرِّهِمَا وَطَاعَتِهِمَا وَرِعَايَةِ شُئُونِهِمَا وَالاِمْتِثَال لأَِمْرِهِمَا ، فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ ، عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ بَيَانُهُ .
وَنَظَرًا لِقِيَامِ الأُْمِّ بِالْعِبْءِ الأَْكْبَرِ فِي تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ اخْتَصَّهَا الشَّارِعُ بِمَزِيدٍ مِنَ الْبِرِّ ، بَعْدَ أَنْ أَوْصَى بِبِرِّهِمَا ، فَقَال تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (14) سورة لقمان
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَال: أُمُّكَ قَال: ثُمَّ مَنْ ؟ قَال: أُمُّكَ قَال: ثُمَّ مَنْ ؟ قَال: أُمُّكَ قَال: ثُمَّ مَنْ ؟ قَال: أَبُوكَ . [3]
(1) - ابن عابدين 3 / 220 .
(2) - المهذب 2 / 230 ، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج 9 / 232 ، ومطالب أولي النهى 2 / 513 ، والمغني 8 / 359 ط الرياض الحديثة ، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 2 / 175 ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 240 .
(3) - أخرجه البخاري ( الفتح 10 / 401ـ ط السلفية ) . وقد مر