وَحُرْمَةُ عُقُوقِهِمَا وَمُخَالَفَتِهِمَا ، إِلاَّ فِيمَا يَأْمُرَانِهِ بِهِ مِنْ شِرْكٍ أَوِ ارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ ، فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يُطِيعُهُمَا وَلاَ يَمْتَثِل لأَِوَامِرِهِمَا ؛ لِوُجُوبِ مُخَالَفَتِهِمَا وَحُرْمَةِ طَاعَتِهِمَا فِي ذَلِكَ ، يُؤَكِّدُ هَذَا قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةٍ الْخَالِقِ ،وَلِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَعَ أُمِّهِ فَقَدْ عَصَى أَمْرَهَا ، حِينَ طَلَبَتْ إِلَيْهِ تَرْكَ دِينِهِ ، وَبَقِيَ عَلَى مُصَاحَبَتِهَا بِالْمَعْرُوفِ بِرًّا بِهَا . وَعِصْيَانُهُ لَهَا فِيمَا أَمَرَتْهُ بِهِ وَاجِبٌ ، فَلاَ تُطَاعُ فِي أَمْرِهَا لَهُ بِتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ [1] .
عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَجَزَاؤُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ:
بِالإِْضَافَةِ إِلَى الْعُقُوقِ السَّلْبِيِّ بِتَرْكِ بِرِّهِمَا ، فَإِنَّ هُنَاكَ صُوَرًا مُخْتَلِفَةً لِلْعُقُوقِ بَعْضُهَا فِعْلِيٌّ وَبَعْضُهَا قَوْلِيٌّ .
وَمِنَ الْعُقُوقِ مَا يُبْدِيهِ الْوَلَدُ لأَِبَوَيْهِ مِنْ مَلَلٍ وَضَجَرٍ وَغَضَبٍ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ ، وَاسْتِطَالَتِهِ عَلَيْهِمَا بِدَالَّةِ الْبُنُوَّةِ وَقِلَّةِ الدِّيَانَةِ خَاصَّةً فِي حَال كِبَرِهِمَا . وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يُقَابِلَهُمَا بِالْحُسْنَى وَاللِّينِ وَالْمَوَدَّةِ ، وَالْقَوْل الْمَوْصُوفِ بِالْكَرَامَةِ ، السَّالِمِ مِنْ كُل عَيْبٍ ، فَقَال تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} (23) سورة الإسراء، فَنُهِيَ عَنْ أَنْ يَقُول لَهُمَا مَا يَكُونُ فِيهِ أَدْنَى تَبَرُّمٍ .
وَضَابِطُ عُقُوقِهِمَا - أَوْ أَحَدِهِمَا - هُوَ أَنْ يُؤْذِيَ الْوَلَدُ أَحَدَ وَالِدَيْهِ بِمَا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِهِمَا كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ جُمْلَةِ الصَّغَائِرِ ، فَيَنْتَقِل بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ إِلَى الْكَبَائِرِ . [2]
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ » . ثَلاَثًا . قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ » . وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ « أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ » . قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ [3] .
(1) - الشرح الصغير 4 / 739 ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 238 ( المسألة الرابعة ) ، و 13 / 8 من سورة العنكبوت ، و 14 / 63 - 65 ، والفروق للقرافي 1 / 145 .
(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 238 ، 241ـ 245 .
(3) - صحيح البخارى- المكنز - (2654 ) وصحيح مسلم- المكنز - (269)