فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 354

دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَذْنَبَ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ ، وَتَابَ ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ، وَتَضَرَّعَ وَاسْتَكَانَ ، وَعَلِقَ لَهُ ، فَاللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ هَذَا مِنَ الْعَبْدِ ، وَخَبَايَتُهُ لَا تَقْدَحُ فِي مَحَبَّتِهِ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْخِبَايَةَ مِنَ الْعَبْدِ ، وَالْمَحَبَّةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ ، وَلَا تَقْدَحُ أَوْصَافُ الْمُحْدِثِ الضَّعِيفِ الْحَقِيرِ فِي أَوْصَافِ الْقَدِيمِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ [1]

َقَالَ بَعْضُ الْكُبَرَاءِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَفِيهِ شُمُوخٌ وَعُلُوٌّ وَتَرَفُّعٌ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ أَبَدًا ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ لِنَفْسِهِ ، وَخَلَقَ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ لَهُ فَأَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ نَظَرَهُ إِلَى رَبِّهِ ، وَإِعْرَاضَهُ عَمَّا سِوَاهُ لِذَلِكَ سَخَّرَ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ لِيَرْجِعَ عَنْ مَصَالِحِ نَفْسِهِ ، وَالشُّغْلِ بِهَا إِلَى رَبِّهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ ، وَالْخَدْمَةِ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ بِمَصَالِحِهِ قَوْمًا هُمْ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْهُ ، وَأَهْدَى لِمَصَالِحِهِ ، وَأَعْلَمُ لِمَرَافِقِهِ مِنَ الْعَبْدِ ، وَجَعَلَ لَهُ حَظَّهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ مُعَقِّبَاتٍ فَكَفَاهُ رَبُّهُ كُلَّ مُؤْنَةٍ دِينِيَّةٍ وَدُنْيَاوِيَّةٍ ، بَعَثَ رُسُلًا ، وَأَنْزَلَ كُتُبًا ، وَأَقَامَ شَرِيعَةً ، وَنَصَبَ لَهُ دُعَاةً ، وَجَعَلَ لَهُ شُفَعَاءَ مِنْ حَمَلَةِ عَرْشِهِ ، وَكِرَامِ مَلَائِكَتِهِ ، لِيَتَفَرَّغَ الْعَبْدُ لِرَبِّهِ تَعَالَى إِقْبَالًا عَلَيْهِ ، وَنَظَرًا إِلَيْهِ ، وَعَلِمَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ ، وَيُقْبِلُ عَلَيْهَا إِعْجَابًا بِهَا ، وَعُكُوفًا عَلَيْهَا فَكَتَبَ عَلَيْهِ مَا يَصْرِفُهُ إِلَيْهِ ، وَقَدَّرَ لَهُ مَا يَشْغَلُهُ بِهِ ، إِذَا شُغِلَ عَنْهُ وَصُرِفَ مِنْهُ مِنْ شَرٍّ يَعْمَلُهُ ، وَسُوءٍ يَأْتِيهِ ، وَمَعْصِيَةٍ يَرْتَكِبُهَا ، وَكَبِيرَهٍ يُوَاقِعُهَا ، وَصَغِيرَةٍ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا . يُنَبِّهُهُ لِنَظَرِهِ إِلَيْهِ ، وَيَبْعَثُهُ عَلَى إِقْبَالِهِ عَلَيْهِ: فَقَالَ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ، وَقَالَ تَعَالَى تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، وَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ يَجِدُهَا بِأَرْضٍ فَلَاةٍ"، وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ"، وَقَالَ:"السِّرُّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ". أَخْبَرَ أَنَّ الشَّرَّ الَّذِي يَعْمَلُهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ، وَفِي حَالَيْنِ سِرًّا وَجَهْرًا ، فَالسِّرُّ أَفْعَالُ الْقُلُوبِ وَالْعَلَانِيَةُ أَفْعَالُ الْجَوَارِحِ ، كَأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: إِذَا عَمِلْتَ شَرًّا بِسِرِّكَ فَأَحْدِثْ تَوْبَةً بِسِرِّكَ ، وَإِذَا عَمِلْتَ شَرًّا بِجَوَارِحِكَ

(1) - بَحْرُ الْفَوَائِدِ الْمُسَمَّى بِمَعَانِي الْأَخْيَارِ لِلْكَلَابَاذِيِّ (134 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت