فَأَحْدِثْ تَوْبَةً بِجَوَارِحِكَ ، فَأَفْعَالُ السِّرِّ مِنَ الذُّنُوبِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ طَمَعٌ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ ، وَمَخَافَةٌ مِنْهُ وَرَجَاءٌ إِلَيْهِ وَمُعَادَاةُ أَوْلِيَائِهِ ، وَمُوَالَاةُ أَعْدَائِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ . وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ حَسَدٌ لِمُؤْمِنٍ ، وَتُهْمَةٌ لِبَرِيءٍ ، وَبَغْيٌ عَلَى مُسْلِمٍ ، وَحِقْدٌ يُضْمِرُهُ ، وَسُوءٌ يُرِيدُهُ بِهِ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْدِثَ تَوْبَةً مِنْهَا بِسِرِّهِ بِاكْتِسَابِ مَا يُزِيلُهَا وَيُثَبِّتُ أَضْدَادَهَا ؛ لِأَنَّ سَائِرَ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ وَغَزْوٍ وَأَمْثَالِهَا لَا يُجْدِي عَلَيْهِ كَثِيرُ نَفْعٍ مِنْهَا مَعَ فَسَادِ السِّرِّ وَنَجَاسَةِ الْقَلْبِ ، فَإِنَّ الْقَلْبَ لَا يَكَادُ يُطَهِّرُهَا بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَكَمُ لِأَبِي بَكْرٍ الْوَرَّاقِ رَحِمَهُ اللَّهُ:
إِنَّ الْجَرَائِمَ أَقْفَلَتْ بَابَ الْهُدَى فَالْعِلْمُ لَيْسَ بِفَاتِحٍ أَقْفَالِهَا
إِنَّ الْقُلُوبَ تَنَجَّسَتْ بِبَطَالَةٍ فَالسَّعْيُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ أَفْعَالَهَا
وَذُنُوبُ الْعَلَانِيَةِ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَالْعَبْدِ تَرْكُ مَا أَمَرَ بِهِ ، وَارْتِكَابُ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ تَضْيِيعِ فَرْضٍ وَإِضَاعَةِ حَقٍّ ، وَمُجَاوَزَةِ حَدٍّ ، وَقُصُورٍ عَنْهُ . وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى: الْمَظَالِمُ وَالْجِنَايَاتُ قَوْلًا وَفِعْلًا ، وَتَوْبَةُ الْعَبْدِ مِنْهَا عَلَانِيَةٌ مِنْ رَدِّ الْمَظَالِمِ وَالِاسْتِحْلَالِ مِنْ أَرْبَابِهَا ، وَالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ مَحَالَتُهُمْ عَلَيْهِ ، وَقَضَاءِ مَا فَاتَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ ، وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ وَإِخْرَاجِ مَا حَصَّلَ مِنْ مَالٍ ، أَوْ مَتَاعٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ"؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُ الْعَبْدَ نَدَمُهُ بِسِرِّهِ عَلَى مَا مَضَى مَعَ إِقَامَتِهِ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْوَقْتِ ، وَتَوْبَتُهُ مِنِ ارْتِكَابِ الْمَظَالِمِ بِسِرِّهِ مَعَ تَمَسُّكِهِ بِمَا فِي يَدَيْهِ . رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ:"إِذَا قَالَ الْمُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، وَعِنْدَهُ مَالٌ حَرَامٌ قِيلَ لَهُ: لَا لَبَّيْكَ ، وَلَا سَعْدَيْكَ حَتَّى تَرُدَّ مَا فِي يَدَيْكَ"لِذَلِكَ قَالَ السِّرُّ بِالسِّرِّ ، وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ [1]
ــــــــــــــــ
(1) - بَحْرُ الْفَوَائِدِ الْمُسَمَّى بِمَعَانِي الْأَخْيَارِ لِلْكَلَابَاذِيِّ (327 )