الصفحة 108 من 189

داعي الهوى، ثم يحمل الملك على الشيطان، فعند ذلك تستجيب النفس إلى قول الملك.

ولا تزال الأحزاب والجنود متوالية عليه، حتى يظفر به أقواهما وأصبرهما.

وقد جعل الله للشيطان دخولًا في جوف العبد، ونفوذًا إلى قلبه وصدره، فهو يجري منه مجرى الدم، ويتجول على سائر أعضائه وجوارحه.

وقد وكل بالعبد فلا يفارقه إلى الممات.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ» . قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «وَإِيَّاىَ إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِى عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلاَ يَامُرُنِى إِلاَّ بِخَيْرٍ» . أخرجه مسلم [1] .

وقد وصف الله عزَّ وجلَّ الشيطان بأعظم صفاته، وأشدها خطرًا، وأقواها تأثيرًا، وأعمها فسادًا، وهي الوسوسة التي هي مبادئ الإرادة.

فإن القلب يكون فارغًا من الشر والمعصية فيوسوس إليه الشيطان، ويخطر الذنب بباله، ويشهيه له، فيصير شهوة، ويزينها له ويحسنها، ويخيلها له في خيال تميل نفسه إليه، فيصير إرادة، وينسيه علمه بضررها، ويطوي عنه سوء عاقبتها، فلا يرى إلا صورة المعصية فقط، وينسيه ما وراء ذلك.

فتصير الإرادة عزيمة جازمة، فيشتد الحرص عليها من القلب، فيبعث الجنود في الطلب، فيبعث الشيطان معهم مددًا لهم وعونًا.

فإن فتروا حركهم، وإن سكنوا أزعجهم كما قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا {83} ) [مريم: 83] .

فأصل كل معصية الوسوسة، ولهذا وصفه الله بها، وحذرنا: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ

(1) أخرجه مسلم برقم (2814) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت