وكما أن السموات والأرض لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [1] ، فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى، فسد فسادًا لا يرجى صلاحه، إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه، ويكون لله وحده هو إلهه ومعبوده ومحبوبه.
وفقر العبد إلى أن يعبد الله وحده لا شريك له، ليس له نظير فيقاس به، ولكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب والنفس، لكن بينهما فروق كثيرة.
فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، ولا صلاح له ولا سعادة إلا بإلهه الحق الذي لا إله إلا هو.
فلا يطمئن إلا بذكره .. ولا يسكن إلا بمعرفته وحبه .. ولو حصل له من اللذات والسرور بغيره ما حصل فلا يدوم له ذلك.
وكثيرًا ما يكون ذلك الذي يتنعم به هو أعظم أسباب ألمه ومضرته.
وأما إلهه الحق فلا بدَّ له منه في كل وقت، وفي كل حال، وأينما كان.
فنفس الإيمان به، ومحبته وعبادته، وإجلاله وذكره، هو غذاء الإنسان وقوته، وصلاحه وقوامه [2] .
أما من قال: إن عبادة الله وذكره وشكره تكليف ومشقة لمجرد الابتلاء والامتحان، أو لأجل مجرد التعويض بالثواب المنفصل، كالمعاوضة بالأثمان، أو لمجرد رياضة النفس وتهذيبها، ليرتفع عن درجة البهيم من الحيوان، فهذا قول من قلَّ نصيبه منَ العلم والتحقيق، ومنْ ذوقِِ حقائق الإيمان وحلاوته.
(1) - قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} (22) سورة الأنبياء
(2) -انظر مجموع الفتاوى - (ج 1 / ص 25)