فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 346

عنهما- في شأن عائشة عند حادثة الإفك [1] ، وكذلك في مسألة خروجه أو بقائه عندما حشدت قريش في غزوة أحد [2] ، وهكذا صور المشاورة في أحداث متعددة ثبتت عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويكفي أنَّ الله - سبحانه وتعالى - أمره بها، وإذا كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي لا ينطق عن الهوى والمؤيد من الله - سبحانه وتعالى - بالوحي أمره ربَّه بأن يشاور في الأمر فكيف بمن دونه من النَّاس؟ لا شكَّ أنَّهم أحوج إلى استخلاص الآراء من أهل الخبرة والعلم والدِّين، وهو أدعى لأن يكونوا أقرب إلى الحقِّ، والعلماء ذكروا أنَّ الحكمة في أمر النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالشورى مع أنَّه لا ينطق عن الهوى، قالوا: إمَّا أن يكون ذلك تطييبًا لقلوب أصحابه فهذا مما يؤلف قلوبهم، وإمَّا أن يكون ذلك سنَّة تتبع من بعده يعني حتى يستن بها الخلفاء والأمراء من بعده، وعلى كل فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يشاور، ولا شكَّ أنَّ من جاء بعده هو أحوج إلى أن يشاور، وهذه هي سنة الخلفاء الرَّاشدين -رضي الله تعالى عنهم- [3] .

(1) . من حديث عائشة -رضي الله عنها-: البخاري (2494) ، ومسلم (2770) ، وابن حبان (4212) ، وأحمد (25664) والشاهد: (ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي ابن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله قالت فأما أسامة أشار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه فقال أسامة أهلك ولا نعلم ألا خيرا. وأما علي فقال يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك)

(2) . من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه: أحمد (14829) ولفظه: (رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرا ينحر، فأولت أن الدرع المدينة، وأن البقر نفر، والله خير، ولو أقمنا بالمدينة، فإن دخلوا علينا قاتلناهم، فقالوا: والله ما دخلت علينا في جاهلية، فتدخل علينا في الإسلام، قال: فشأنكم إذا، وقالت الأنصار بعضها لبعض: رددنا على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - رأيه فجاؤوا فقالوا: يا رسول الله شأنك، فقال: الآن إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل.)

(3) . يقول محمد قطب: (هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حاجة إلى المشاورة والوحي يتنزل عليه بما يشاء الله أن ينزله من البيان، ويصحح مسار الجماعة المسلمة كلما همت أن يقع منها انحراف؟ بل يصحح للرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه بعض ما يقع منه من تصرفات، كتصرفه مع ابن أم مكتوم، وكتصرفه في أسرى بدر؟ كلا! ما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حاجة إلى المشاورة، وهو يقوم بأعباء الدعوة، ويدير حياة الجماعة المؤمنة سواء في مكة أو في المدينة. إنما هي التربية ومستلزماتها. إن التربية على السمع والطاعة وحدهما تخرّج حنودًا ملتزمين، ولكنها لا تخرّج قادة! ولقد كان الالتزام بأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - عبادة مفروضة من عند الله ... ولكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يريد من أصحابه فقط أن يكونوا جنودًا ملتزمين بأمر قائدهم، والالتزام بأمره هو الفلاح والنجاح، فضلًا عن كونه عبادة مفروضة، إنما كان يريد أن يجعل منهم قادة للبشرية، تحقيقًا لقدر الله بهم، ومراده سبحانه وتعالى من إخراج هذه الأمة: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] . والتدريب على القيادة والريادة لا يكون إلا بالمشاورة من القائد للذين يربيهم. المشاورة هي التي تولد فيهم الوعي وتنميه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] . وواضح من سياق الآية أن البصيرة شيء قائم بذاته مطلوب بذاته إلى جانب الإيمان، الذي يعبّر عنه في الآية بقوله تعالى: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . الإيمان مطلوب نعم، ولكن البصيرة مطلوبة كذلك، للتحرك بهذا الدين في عالم الواقع، لكي تؤتي ثمارها كاملة بإذن الله، ولا يتبدد الجهد كله أو جزء منه في حركة خاطئة، أو فيما لا طائل وراءه. والمشاورة من القائد لأتباعه تعوّد الأتباع أن يفكروا بعقولهم في المواقف المختلفة، والآراء المختلفة، ليختاروا أصوبها وأليقها بالموقف الذي يُراد اتخاذه، كما تعوّدهم كذلك على تحمّل المسئولية، فالرأي مسئولية بجانب كونه أمانة .. وحين تتكرر المشاورة، ويتكرر التفكير والتمحيص مع تحمل المسئولية يكون الإنسان قد أعدّ لمواجهة المواقف العملية حين يكون فيها، فلا تنفر مشاعره من المواجهة، ولا يتهيب المسئولية، وتلك هي الصفات المطلوبة في القائد الناجح. وليس كل إنسان بطبيعة الحال يكون قائدا ناجحا. ولكنك لن تتعرف على الشخص المؤهل لأن يكون قائدًا ناجحًا حتى تتيح الفرصة لمجموعة من النَّاس -الذين تقوم بتربيتهم- لكي يتلقوا التدريب المطلوب، فتتضح مقدراتهم ويبرز منهم من هو مؤهل للبروز .. أما إذا ربيتهم على السمع والطاعة في الأمور كلها، فلن يتهيأ لأحد أن يكتسب الخبرة المطلوبة، وحين تسند إليهم المسئولية يضطربون ثم يفشلون، وتنتكس المسيرة على أيديهم بعد ذهاب القائد المحنك، ولو كانوا في حياة القائد من الجنود المخلصين! ومن هنا يتضح حرص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على مشاورة أتباعه، وهو الغني عن المشاورة، لأنه كان يعدّهم -على علم- لأن يكونوا من بعده قادة محنكين، أو في القليل مستشارين صائبي الرأي، لتستمر المسيرة بعده ولا تتوقف، ولا تنتكس بعد غياب القائد الملهم العظيم) (كيف ندعو النَّاس 1\ 131 - 133) باختصار يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت