(وَالْمُهِمُّ فِي هَذَا الْبَابِ مَعْرِفَةُ الْأَصْلَحِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَتِمُّ بِمَعْرِفَةِ مَقْصُودِ الْوِلَايَةِ) أي ما هي المقاصد والمفاسد التي نريد أن نحصِّلها من وراء هذه الولاية؟، وما هي المفاسد التي أردنا أن ندرأها من وراء هذه الولاية؟، فإذا عرفنا ذلك نستطيع أن نختار لهذه الولاية الأصلح من بين المسلمين، الأصلح الذي بإمكانه تحصيل هذه المقاصد، فعلى ضوء معرفة المقصد يمكن معرفة الأصلح. (وَمَعْرِفَةِ طَرِيقِ الْمَقْصُودِ) أي كيفية تحصيل هذا المقصود، فالإنسان قد يعرف الشيء ويعجز عن تحصيله، ولكن إذا عرف الشيء، وعرف كيفية تحصيله، فهنا يوفَّق في الوصول إليه، كما ذكر شيخ الإسلام والي الحرب، فمقصود ولاية الحرب في الجملة هو إعزاز المسلمين، وكسر شوكة الكفار، وطريقة تحصيلها هو أن يكون عارفًا بالحروب وبمكائدها وبتدبيرها وبمخادعة العدو (فَإِذَا عَرَفْت الْمَقَاصِدَ وَالْوَسَائِلَ تَمَّ الْأَمْرُ. فَلِهَذَا لَمَّا غَلَبَ عَلَى أَكْثَرِ الْمُلُوكِ قَصْدُ الدُّنْيَا، دُونَ الدِّينِ) يعني في العصور المتأخرة صار مقصد الملوك هو الاستمتاع بهذا الملك، وتحصيل الدنيا التي ينتفعون بها، ولم يكن مقصودهم الأول هو إقامة الدين إقامة حقيقية، فحصل بهذا تغيير في مقاصد الولاية، فالإمام العام مهمته هي سياسة الدنيا بالدين، وحفظ أمور النَّاس بإقامة الشرع، فلما ضعف هذا المقصد -وضعفه إما في فهمهم أو في سعيهم لتحصيله أو لتغييره- (قَدَّمُوا فِي وِلَايَتِهِمْ مَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى تِلْكَ الْمَقَاصِدِ) فحصل اضطراب أيضا في كيفية تحصيلها، فبدل أن يقرِّبوا منهم أهل العلم والدين والتقوى والنصح ممن يعينهم على تحصيل المقصد