الأصلي -وهو أمر الدين-، قدَّموا من يعينهم على تحصيل المقصد الذي لم يكن من مقاصد الولاية، فحصل اضطراب في المقاصد وفي الوسائل أيضًا (وَكَانَ مَنْ يَطْلُبُ رِئَاسَةَ نَفْسِهِ، يُؤْثِرُ تَقْدِيمَ مَنْ يُقِيمُ رِئَاسَتَهُ. وَقَدْ كَانَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الَّذِي يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَيَخْطُبُ بِهِمْ، هُمْ أُمَرَاءُ الْحَرْبِ، الَّذِينَ هُمْ نُوَّابُ ذِي السُّلْطَانِ عَلَى الْجُنْدِ، وَلِهَذَا لَمَّا قَدَّمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَبَا بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ، قَدَّمَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي إمَارَةِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا. وَكَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى حَرْبٍ، كَانَ هُوَ الَّذِي يُؤَمِّرُهُ لِلصَّلَاةِ بِأَصْحَابِهِ) المقصود بهذا أن الأمراء كانوا هم الذين يقيمون أمور الدين، حتى أنهم كانوا يُقدَّمون في الإمامة، ولكن حصل اضطراب عند الملوك المتأخرين، فقدَّموا أمور الدنيا على أمور الدين، بعكس سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يؤمِّر ومع التأمير يجعل من مهامه إقامة الدين، ومنها الصلاة التي هي عماده، وهي ركن من أركانه. (وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا نَائِبًا عَلَى مَدِينَةٍ، كَمَا اسْتَعْمَلَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكَّةَ، وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ عَلَى الطَّائِف، وَعَلِيًّا وَمُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى عَلَى الْيَمَنِ، وَعَمْرَو بْنَ حَزْمٍ عَلَى نَجْرَانَ، كَانَ نَائِبُهُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ، وَيُقِيمُ فِيهِمْ الْحُدُودَ وَغَيْرَهَا، مِمَّا يَفْعَلُهُ أَمِيرُ الْحَرْبِ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ بَعْدَهُ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُلُوكِ الْأُمَوِيِّينَ وَبَعْضِ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَذَلِكَ; لِأَنَّ أَهَمَّ أَمْرِ الدِّينِ الصَّلَاةُ وَالْجِهَادُ، وَلِهَذَا كَانَتْ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ، وَكَانَ إذَا عَادَ مَرِيضًا، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ، يَشْهَدُ لَكَ صَلَاةً، ويَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا» [1] . وَلَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ إنَّ أَهَمَّ أَمْرِك
(1) . من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه: ابن حبان (2974) ، والحاكم (1273) ، وأبو داود (3107) ، وأحمد (6600) ] حسنه الألباني [