فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 73

وقد أتيح للقيادة العباسية من موقعها في"الحميمة"مراقبة الوضع السياسي عن كثب، والتنبه للثغرات والمشكلات فيه دون أن يكون اختيار خراسان سوى نتيجة لذلك وهي الولاية الأثيرة لدى الأمويين ومركز الخلل في دولتهم المترنحة والصورة الأكثر تعبيرًا عنها في صراعاتها وانقساماتها. على أنه ثمة مسألة هامة هي أن اختيار خراسان لا يعني انصراف العباسيين عن الشام، كما لا يعني التوجه نحو الموالي واستغلال أحقادهم على الدولة الأموية، على نحو ما روّج له المستشرقون في هذا المجال ولكنه جاء محصلة للمعطيات السابقة، فضلًا عن المعطى الجغرافي، متمثلًا في بُعد الولاية عن مركز الدولة، ذلك أن الدعوة في - أساسها التنظيمي قائم على العرب - وتوجهها الخراساني إنما كان للقبائل العربية اليمنية (1) ، القاطنة بأعداد كبيرة في هذه الولاية، هذا إذا لم نتوقف عند عروبة"النقباء"المتحدرين من كبريات القبائل العربية، إذ أن خمسة منهم إلى خزاعة، وثلاثة إلى تميم، واثنين إلى مزينة، فضلًا عن آخرين من طيء وربيعة .. إلخ (2) . ولا يعني هذا أيضًا، أن يكون لبروز شخصيات من أصل غير عربي في الدعوة، من أمثال أبي مسلم الخراساني وأبي سلمة الخلال، دلالات تخالف هذا الواقع، إذ أن قيادة الدعوة كانت تحكم قبضتها على كل الأمور، من خلال جهاز بالغ الدقة في التنظيم والإدارة، وسرعان ما لجأت إلى التخلص من هذين الرجلين القويين بعد إنهاء دوريهما المرسومين ومحاولة كل منهما تجاوز خطوطه المحددة (3) ، وهكذا في قرية من أطراف الشام تم للعباسيين إخراج مشروعهم إلى حيز التنفيذ، متحالفين مع الوقت، ومتقنين العمل السري، وراصدين ثغرات الحكم الأموي، بما فيها مساوئ الخلفاء وضيق رؤيتهم السياسية، مما حاد بهؤلاء عن الموضوعية

(1) - تاريخ الطبري ، نقلًا عن تاريخ بلاد الشام ، إبراهيم بيضون ص 228.

(2) - تاريخ بلاد الشام ، إبراهيم بيضون ص 228.

(3) - الأخبار الطوال ص 359.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت