في هذه المسألة يرى ولد الددو أن هناك فرقا بين التبديل والتعطيل وأن الذي يكفر به فاعله هو أن يشرع الحاكم قانونا ثم ينسبه لله أو يسويه أو يفضله على حكم الله سبحانه أما إذا أقر بحكم الله تعالى ثم كان عاجزا عن تطبيقه فهذا هو التعطيل الذي لا يكفر فاعله عنده، ونزل هذا الكلام على واقع بلاد المسلمين مع أنه بعيد عنه وقرر أن خلافه إنحراف فكري!
والرد عليه هنا من أيسر ما يكون:
هذه التسوية بل والتفضيل موجودان في واقع بلاد المسلمين، وأرباب القانون يسمون أحكامهم حقوقا وعدلا ويضفون عليه ألفاظ القداسة والتبجيل والاحترام بشهادة ولد الددو نفسه لوزير القانون.
وإيراد قضية التسوية والتفضيل هذه من التشغيب على البحث، لأن الذي يفضل حكمه على حكم الله أو يسويه به كافر وإن حكم بالشريعة كلها، فهو مناط مستقل عن مسألة وضع الأحكام المخالفة للشريعة، وإيرادها تعطيل لحكم الله في من بدل الشرائع لأن تعليق الحكم على علتين يقتضي غيابه إذا غاب أحدهما، بل لو قال واضعها أن هذه القوانين باطلة ومنكرة لما كان له أثر في الحكم، كما قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله:"ولو قال من حَكَّمَ القانون: أنا اعتقد أنه باطل، فهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع، كما لو قال أحدٌ: أنا أعبد الأوثان واعتقد أنها باطل" [1] .
ثانيا: أن هذا التقسيم والتفريق بين التبديل الذي يكفر فاعله والتعطيل الذي لا يكفر به، تفصيل أحدثه من عند نفسه ولم يقل به أحد قبله من علماء المسلمين بل هم مجمعون على خلافه. وأوضح دليل على تهافت هذا التقسيم غفلته عن صورتين أجمع العلماء على كفر فاعلهما لا تدخل في هذه القسمة الضيزى:
منها صورة الحاكم الذي يحكم بشرع منسوخ [2] كأن يجعل حكم السارق أن يسترقّ أو يحرم على الناس أكل شحوم البقر والغنم، فهذا حكم الله في بني إسرائيل، وعلى هذا لا يكون القول أنه حكم الله كذبا على الله، فلو قال أنه يكفر به أفسد التقسيم الذي ذهب إليه، ولو قال العكس فقد خالف الإجماع وسلك غير سبيل المؤمنين الذي ذكره ابن حزم في الإحكام عند قوله:"لا خلاف بين أثنين من المسلمين أن هذا منسوخ وأن من حكم بحكم الإنجيل ممّا لم يأت بالنص عليه وحي في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام". [3]
وقد ذكر ابن كثير في تاريخه إجماعا آخر يخالف صراحة ما ذهب ولد الددو في كفر التتار الذين كانوا يحكمون في ما بينهم بياسقهم والذي من أحكامه:"أن من زنا قتل محصنًا كان أو غير محصن، وكذلك من لاط قتل، ومن تعمد الكذب قتل، ومن سحر قتل، ومن تجسس قتل، ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل، ومن بال في الماء الواقف قتل، ومن انغمس فيه قتل، ومن أطعم أسيرًا أو سقاه أو كساه بغير إذن أهله قتل، ومن وجد هاربًا ولم يرده قتل، ومن أطعم أسيرًا أو رمى إلى أحد شيئًا من"
(1) فتاوى ومقالات الشيخ محمد بن إبراهيم: 6/ 189.
(2) وستأتي الصورة الرابعة قريبا
(3) الإحكام في أصول الأحكام 5/ 733